تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Arab Network for Environment and Development

من الحقل إلى المزارع.. تجربة عملية لتعظيم إنتاجية وحدة المياه ودعم الأمن الغذائي في دلتا مصر

من الحقل إلى المزارع.. تجربة عملية لتعظيم إنتاجية وحدة المياه ودعم الأمن الغذائي في دلتا مصر

تقنيات «زراعة المصاطب» و«الري الذكي» لمواجهة الجفاف والملوحة.. و57% زيادة في كفاءة استخدام المياه

في مواجهة التحديات المتزايدة التي تفرضها ندرة المياه وتغير المناخ على الزراعة المصرية، تبرز تجربة «المختبر الحي» في مركز سيدي سالم، بمحافظة كفر الشيخ، بوصفها نموذجًا تطبيقيًا لتعظيم إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية وترشيد استخدام المياه، من خلال الدمج بين الممارسات الزراعية المستدامة والتقنيات الرقمية الحديثة. فقد كشفت النتائج النهائية للتجربة عن إمكانية تحقيق إنتاجية أعلى من القمح باستخدام كميات أقل من مياه الري، رغم الظروف البيئية الصعبة التي تتسم بها المنطقة، وفي مقدمتها ملوحة التربة، وسوء الصرف، بما يفتح آفاقًا جديدة لتعزيز قدرة القطاع الزراعي على التكيف مع الجفاف، ودعم الأمن الغذائي.
تندرج التجربة ضمن مشروع «تعزيز مشاركة أصحاب المصلحة لتحفيز مقاومة تأثيرات الجفاف من خلال المعارف التقليدية والأدوات الذكية لإدارة المياه» (ABCDryBASIN)، الذي تنفذه الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد»، بمشاركة كلية الهندسة بجامعة طنطا، وبتمويل من معهد المياه والتعليم في هولندا. يستهدف المشروع تطوير حلول عملية لإدارة المياه في المناطق الزراعية الهشة، من خلال توظيف الخبرات المحلية والأدوات العلمية والتكنولوجية، وإشراك المزارعين في اختبار الممارسات التي يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة استخدام الموارد المائية.
الدكتور محرم فؤاد البسيوني، أستاذ فسيولوجيا الحيوان وخبير الزراعة الملحية بمركز بحوث الصحراء، والاستشاري الفني للمشروع، أكد أن اختيار مركز سيدي سالم لتنفيذ تجربة «المختبر الحي» جاء نظرًا لما تواجهه المنطقة من تحديات متشابكة، ترتبط بوقوعها في نهايات شبكات الري، وتأثر أراضيها بتداخل مياه البحر، وارتفاع ملوحة التربة والمياه الجوفية، فضلًا عن مشكلات سوء الصرف، وارتفاع مستوى الماء الأرضي في بعض المناطق. وتؤدي هذه الظروف إلى زيادة الضغوط الواقعة على المحاصيل، وتفرض ضرورة تطوير أساليب إدارة الري بما يضمن توفير الرطوبة اللازمة للنباتات، ويحد في الوقت نفسه من إهدار المياه وتراكم الأملاح حول الجذور.
ولقياس الأثر الفعلي للممارسات الجديدة، أُنشئ حقل إرشادي تبلغ مساحته نحو 13 قيراطًا، وطُبقت فيه حزمة متكاملة من التقنيات الزراعية، مع مقارنته بحقل مجاور مساحته 18 قيراطًا يتبع أساليب الزراعة التقليدية، وحقل ثالث مستقل مساحته 12 قيراطًا يمثل الممارسات السائدة لدى المزارعين في المنطقة. واستخدمت الحقول الثلاثة آلة الري نفسها، بقدرة 5.5 حصان، ومعدل تصرف يبلغ 120 مترًا مكعبًا في الساعة، بما أتاح مقارنة معدلات استهلاك المياه وإنتاجية القمح، في ظل اختلاف أساليب الإدارة الزراعية.
اعتمد النموذج الإرشادي على تسوية الأرض باستخدام تقنية الليزر، لتحسين توزيع مياه الري، وتقليل الفاقد الناتج عن تجمع المياه في المنخفضات، أو تسربها إلى أعماق التربة، ثم تشكيلها في صورة «مصاطب»، بدلًا من الزراعة المسطحة. ويساعد هذا النظام على تنظيم حركة المياه في الأخاديد بين المصاطب، مع انتقال الرطوبة إلى النباتات، بما يحد من تراكم الأملاح في منطقة الجذور. ويشير التقرير الفني للمشروع إلى أن الزراعة على المصاطب يمكن أن توفر نحو 20 إلى 25% من مياه الري مقارنة بالزراعة المسطحة، وفقًا لظروف التطبيق.
وأضاف «البسيوني» أن المعالجة امتدت إلى تحسين خصائص التربة، من خلال استخدام السماد العضوي «الكمبوست» والأسمدة المعدنية وحمض «الهيوميك»، لدعم نمو النباتات، وتعزيز قدرتها على تحمل الإجهاد الملحي والمائي. كما زُرع صنف القمح «جيزة 171»، بمعدل تقاوي بلغ 60 كيلوجرامًا للفدان، للاستفادة من قدرته النسبية على تحمل الملوحة.
واكتسبت التجربة أهمية إضافية من خلال إدخال تقنية الري الذكي، باستخدام جهاز قياس رطوبة التربة، الذي يساعد على تحديد توقيت الري وفقًا لحالة الرطوبة في التربة، بدلًا من الاعتماد على مواعيد ثابتة أو تقديرات غير دقيقة. وأتاح استخدام الجهاز ضبط عمليات الري بما يتناسب مع الاحتياجات الفعلية للنبات، مع التركيز على المراحل الحرجة لنمو القمح، خاصة طرد السنابل وامتلاء الحبوب، التي قد يؤدي تعرضها للعطش إلى تراجع ملموس في الإنتاجية.
وعلى الرغم من حصول الحقل الإرشادي على سبع ريات خلال الموسم، مقابل ست ريات في الحقل المجاور، وخمس ريات في الحقل التقليدي المستقل، فإنه سجل أقل استهلاك إجمالي للمياه لكل فدان. ويكشف هذا الفارق أن ترشيد المياه لا يرتبط بالضرورة بتقليل عدد الريات، وإنما بتحسين كفاءة توزيع المياه، وتقليل زمن الري، وتحديد التوقيت المناسب لكل رية، وفقًا لاحتياجات المحصول ومراحل نموه.
وأظهرت نتائج التقييم المقارن أن إجمالي استهلاك مياه الري في الحقل الإرشادي بلغ نحو 1860.6 متر مكعب للفدان خلال الموسم، مقابل 2400 متر مكعب في الحقل المجاور، و2040 مترًا مكعبًا في الحقل التقليدي المستقل. وبذلك حقق النموذج الإرشادي وفرًا مائيًا بلغ 22.5% مقارنة بالحقل المجاور، ونحو 8.8% مقارنة بالحقل التقليدي المستقل، رغم حصوله على عدد أكبر من الريات.
وانعكست هذه الإدارة المتكاملة للمياه والتربة على إنتاجية القمح، إذ سجل الحقل الإرشادي 20.7 أردب للفدان، مقابل 17 أردبًا في الحقل المجاور، و14 أردبًا في الحقل التقليدي المستقل. كما ارتفعت إنتاجية القش إلى ما يعادل 29.5 حملًا للفدان في الحقل الإرشادي، مقارنة بنحو 14 حملًا في الحقل المجاور، و13.2 حملًا في الحقل التقليدي المستقل، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير الفني.
غير أن المؤشر الأبرز لنجاح التجربة تمثل في كفاءة استخدام المياه، التي تقيس كمية الحبوب المنتجة مقابل كل متر مكعب من مياه الري المستهلكة. فقد بلغت الكفاءة في الحقل الإرشادي 1.67 كيلوجرام من الحبوب لكل متر مكعب من المياه، مقابل 1.06 كيلوجرام في الحقل المجاور و1.03 كيلوجرام في الحقل التقليدي المستقل. وتعني هذه النتائج ارتفاع كفاءة استخدام المياه في الحقل الإرشادي بنحو 57.5% مقارنة بالحقل المجاور، بما يؤكد أهمية الجمع بين هندسة التربة، والري الذكي، وتحسين التغذية النباتية، في تعظيم العائد الإنتاجي من وحدة المياه.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ظل الضغوط التي تواجه الموارد المائية المصرية، والحاجة إلى رفع إنتاجية الأراضي الزراعية القائمة، بدلًا من الاعتماد على التوسع الأفقي وحده. فالتجربة توضح أن تحسين إدارة المياه يمكن أن يسهم في تحقيق هدفين متلازمين، أولهما الحد من الاستهلاك المائي، والثانى زيادة إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية، وهو ما يعزز فرص دعم الأمن الغذائي في مواجهة تداعيات تغير المناخ.
كما تبرز التجربة أن مواجهة الجفاف لا تقتصر على خفض كميات المياه المستخدمة، بل تتطلب إدارة أكثر كفاءة للموارد المتاحة، تبدأ بتحسين خواص التربة وتسوية الأرض، وتمتد إلى اختيار الأصناف الملائمة للظروف المحلية، وتحديد الاحتياجات المائية للنبات باستخدام أدوات القياس، وتوفير المياه في المراحل الأكثر حساسية من نمو المحصول. فخفض عدد الريات دون مراعاة الاحتياجات الفعلية للنبات قد يؤدي إلى الإجهاد المائي وتراجع الإنتاجية، بينما يتيح الري الذكي تحقيق توازن أفضل بين ترشيد المياه وحماية المحصول.
وتفتح النتائج المجال أمام توسيع نطاق التجربة في المناطق الزراعية بشمال الدلتا التي تواجه ظروفًا مماثلة من الملوحة وسوء الصرف ونقص المياه، مع مراعاة اختلاف خصائص التربة ومصادر الري والظروف المحلية، والتحقق من النتائج من خلال تطبيقات ميدانية إضافية. ويتطلب ذلك تعزيز خدمات الإرشاد الزراعي، وتدريب المزارعين على استخدام تقنيات قياس رطوبة التربة، وتقييم الجدوى الاقتصادية لتكاليف التسوية بالليزر وإنشاء المصاطب واستخدام المحسنات الزراعية، بما يضمن إمكانية تبني هذه الممارسات على نطاق أوسع.
وتؤكد تجربة «المختبر الحي» في كفر الشيخ أن تحويل الحلول العلمية إلى ممارسات قابلة للتطبيق في الحقول، يمثل مسارًا مهمًا لتعزيز قدرة الزراعة المصرية على التكيف مع الجفاف والملوحة. فمن خلال الدمج بين الخبرة الزراعية والتقنيات الحديثة، يصبح من الممكن تحقيق إنتاجية أعلى من الموارد المتاحة، وترشيد استهلاك المياه، ودعم استدامة الإنتاج الزراعي، بما يجعل التجربة نموذجًا يستحق التقييم والتطوير تمهيدًا للاستفادة منه في مناطق أخرى تواجه تحديات مماثلة.

Add a Comment

Your email address will not be published.
Are you human? Please solve:Captcha