Skip to main content

Arab Network for Environment and Development

EN AR
EN AR
بمشاركة شبكة «رائد».. اجتماع إقليمي بالقاهرة يرسم ملامح التحول الطاقي في مصر بين الكفاءة والتنافسية وتعزيز القدرة التصديرية

بمشاركة شبكة «رائد».. اجتماع إقليمي بالقاهرة يرسم ملامح التحول الطاقي في مصر بين الكفاءة والتنافسية وتعزيز القدرة التصديرية

في ظل تسارع التحولات العالمية في قطاع الطاقة وتزايد ارتباطه المباشر بقضايا المناخ والأمن الغذائي والمائي، احتضنت القاهرة واحداً من أبرز الحوارات الإقليمية المتخصصة حول مستقبل منظومة الطاقة في مصر، وذلك من خلال ورشة العمل المغلقة “تحول نظام الطاقة في مصر: التنافسية، والمواءمة الصناعية، وكفاءة النظام”، التي نظمتها مبادرة (PIE North Africa)، على مدار يومي الأول والثاني من يوليو 2026، بمشاركة واسعة ضمت ممثلين عن الحكومة المصرية، ومؤسسات إقليمية ودولية، وقطاع الأعمال، ومراكز فكر وخبراء متخصصين في الطاقة والصناعة والاستثمار والسياسات العامة.
وشكلت مشاركة الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد»، برئاسة منسقها العام، الدكتور عماد الدين عدلي، وفريق عمل الشبكة، محطة محورية في النقاشات، باعتبارها أحد الفاعلين الإقليميين في دعم التحول العادل والمستدام للطاقة، ولاسيما في إطار الجهود المرتبطة بمبادرة «تيراميد»، الهادفة إلى إعادة صياغة منظومات الطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أسس أكثر كفاءة واستدامة وعدالة.
أظهرت المناقشات أن قطاع الطاقة في مصر يشهد مرحلة انتقالية فارقة، ينتقل فيها من التركيز على التوسع في القدرات الإنتاجية والبنية التحتية إلى إعادة تعريف الأولويات، بحيث تصبح كفاءة التشغيل، وتعظيم القيمة المضافة، وربط الطاقة بالتصنيع والتصدير، هي المحركات الأساسية للمرحلة المقبلة.
واتفق المشاركون على أن مصر، بعد أن نجحت في تأسيس قاعدة قوية في البنية التحتية لقطاع الطاقة، سواء في الغاز الطبيعي أو الكهرباء أو مصادر الطاقة المتجددة، أصبحت أمام تحدٍ أكثر تعقيداً يتمثل في تحقيق أعلى عائد اقتصادي واجتماعي وبيئي من هذه الاستثمارات الضخمة، عبر تحسين كفاءة المنظومة ككل وليس فقط زيادة الإنتاج.
وفي هذا السياق، برزت أهمية الدمج بين سياسات الطاقة والسياسات الصناعية والاستثمارية، باعتباره شرطاً أساسياً لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد المصري، وتمكينه من الاندماج بشكل أعمق في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، خصوصاً في ظل التحولات الجارية في معايير التجارة الدولية المرتبطة بالاستدامة والكربون.
أكدت الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد»، خلال أعمال الورشة، أن التحول الطاقي لم يعد ملفاً تقنياً أو حكومياً صرفاً، بل أصبح عملية اجتماعية-اقتصادية-بيئية معقدة تتطلب شراكات متعددة المستويات، يكون فيها المجتمع المدني شريكاً أصيلاً وليس طرفاً مكملاً.
وأوضح الدكتور عماد عدلي أن التحول العادل للطاقة يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة العربية، في ظل تداخل التحديات المناخية مع الضغوط الاقتصادية وقضايا الأمن الغذائي والمائي، مشيراً إلى أن غياب العدالة في توزيع آثار وفرص التحول قد يؤدي إلى فجوات تنموية واجتماعية ما لم تتم إدارتها بصورة شاملة.
وأضاف أن «رائد» تضطلع بدور تنسيقي إقليمي متزايد الأهمية في جمع منظمات المجتمع المدني العربية حول أهداف مشتركة تدعم مبادرة “تيراميد”، من خلال تعزيز الحوار متعدد الأطراف بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، والمساهمة في تطوير السياسات العامة، وبناء القدرات المؤسسية، وتبادل الخبرات بين الدول العربية.
كما شدد على أن الشبكة تعمل على الدفع نحو بناء توافقات إقليمية حول أولويات التحول الطاقي، بما يضمن أن تكون السياسات المستقبلية أكثر توازناً بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع التركيز على عدم إقصاء المجتمعات الأكثر هشاشة من فوائد التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
أحد أبرز التحولات الفكرية التي كشفت عنها الورشة تمثل في إعادة تعريف مفهوم «أمن الطاقة»، حيث لم يعد يقتصر على ضمان استمرارية الإمدادات، بل أصبح يرتبط بشكل مباشر بكفاءة استخدام الموارد وتحقيق أقصى قيمة مضافة من منظومة الطاقة.
وأكد المشاركون أن تنويع مصادر الطاقة، بما في ذلك التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، يمثل ركيزة أساسية لتعزيز مرونة النظام، إلا أن هذا التوسع يتطلب في المقابل مراجعة مستمرة للسياسات والخطط التنفيذية بما يتماشى مع التطورات التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة.
كما شددت المناقشات على أن تطوير شبكات النقل والتوزيع الكهربائي يمثل أحد أهم التحديات الهيكلية أمام استيعاب القدرات المتزايدة من الطاقة المتجددة، ما يجعل الاستثمار في الشبكات الذكية والبنية التحتية الحديثة شرطاً حاسماً لنجاح التحول الطاقي خلال المرحلة المقبلة.
برز خلال الورشة إدراك متزايد بأن مستقبل الصناعة المصرية بات مرهوناً بقدرتها على الوصول إلى طاقة نظيفة، مستقرة، وذات تكلفة تنافسية، في ظل تصاعد الاشتراطات البيئية في الأسواق الدولية، وفرض آليات تسعير الكربون كأداة تنظيمية جديدة في التجارة العالمية.
وفي هذا الإطار، ناقش المشاركون ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين الطاقة والصناعة بشكل تكاملي، بما يضمن تعزيز تنافسية الصادرات المصرية، ورفع قدرة الاقتصاد الوطني على التكيف مع المتغيرات العالمية.
كما طُرحت رؤية طموحة تستهدف رفع نسبة التصنيع المحلي لمكونات ومعدات الطاقة إلى نحو 40%، بما يسهم في دعم القاعدة الصناعية الوطنية، وخلق فرص عمل جديدة، وتعميق سلاسل القيمة المحلية في قطاع الطاقة.
أجمعت النقاشات على أن نجاح التحول الطاقي لا يمكن أن يتحقق دون تطوير منظومة تمويل مبتكرة ومستدامة، تشمل توسيع دور القطاع المصرفي، وتطوير أدوات التمويل الأخضر، وإنشاء صناديق متخصصة لدعم مشروعات الطاقة النظيفة.
كما تم التأكيد على أهمية تطوير نماذج تمويل مرنة، بما في ذلك آليات تسمح بتوفير تمويل بالعملات الأجنبية مع سداد محلي، بما يسهم في تخفيف الأعباء التمويلية على المستثمرين وتحفيز الاستثمارات في القطاع.
وفي موازاة ذلك، برز العنصر البشري باعتباره حجر الزاوية في عملية التحول، حيث شدد المشاركون على ضرورة التوسع في برامج التدريب وبناء القدرات، وتأهيل الكوادر الوطنية لتلبية احتياجات سوق العمل المتغير، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والصناعات الخضراء.
خلصت الورشة إلى رسالة محورية مفادها أن التحول الطاقي لا يمكن أن ينجح في غياب توافق مجتمعي ومؤسسي واسع حول أهدافه وأولوياته.
وفي هذا السياق، أكدت شبكة «رائد» أن حملات المناصرة والتوعية تمثل إحدى الأدوات الأساسية لإنجاح مبادرة «تيراميد»، مشيرة إلى أن المجتمع المدني يمتلك القدرة على بناء جسور بين صناع القرار والمجتمعات المحلية، بما يعزز المشاركة في صياغة سياسات الطاقة المستدامة.
كما دعت الشبكة إلى تعزيز التعاون الإقليمي بين منظمات المجتمع المدني العربية، وتوسيع نطاق تبادل الخبرات، بما يسرّع من وتيرة التحول العادل للطاقة على المستوى الإقليمي.
في ختام أعمالها، عكست الورشة اتجاهاً واضحاً نحو إعادة تعريف منظومة الطاقة في مصر باعتبارها نظاماً متكاملاً يجمع بين الكفاءة والتنافسية والاستدامة والعدالة الاجتماعية، وليس مجرد قطاع إنتاجي تقليدي.
وأكدت المناقشات أن المرحلة المقبلة تتطلب شراكة واسعة تضم الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية والمجتمع المدني والجامعات ومراكز الفكر، بما يضمن بناء نموذج تنموي أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية، وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة وسلاسل القيمة المرتبطة بها.

Add a Comment

Your email address will not be published.
Are you human? Please solve:Captcha