الموجة الثانية لفيروس «كورونا».. عجلة الاقتصاد بين المخاوف والآمال

سقوط 100 مليون شخص في براثن الفقر و«أعمق انكماش» منذ الحرب العالمية الثانية

ما بين قيود الإغلاق الجزئي والكلي أو إلغاء تلك القيود، تعيش معظم بلدان العالم بين «مطرقة» الحاجة لإعادة الحياة إلى ما كانت عليه قبل حلول 2020، بهدف تحريك عجلة الاقتصاد الذي تضرر بشدة نتيجة هذه القيود، و«سندان» الخوف من موجة ثانية لفيروس «كورونا»، ليس من المعروف على وجه الدقة مدى قوتها أو تأثيرها، ربما تكون أشد فتكاً من الموجة الأولى، التي تجتاح العالم منذ بدايات العام الجاري.

وتسعى كافة دول العالم جاهدة، بما فيها الدول صاحبة أكبر الاقتصادات العالمية، لتجاوز الأثار التي خلفتها، ومازالت، «جائحة كورونا»، التي تسببت في خسائر اقتصادية كبيرة، وتتمثل تلك المساعي في إعادة فتح مؤسسات الأعمال، وفتح الحدود والمنافذ، لتحريك عجلة الاقتصاد المتوقفة، مدفوعة بتقارير تسلط الضوء على التداعيات السلبية للفيروس من الناحية الاقتصادية.

وبحسب تقرير لوكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، تناول تأثير التباطؤ الاقتصادي الناجم عن وباء «كورونا» على الأوضاع المالية في 14 دولة، من بينها الولايات المتحدة واليابان وإيطاليا وبريطانيا، فإن الجائحة ستزيد من مستويات الدين في الدول الغنية في العالم بنسبة 20 نقطة مئوية في المتوسط سنة 2020، وهو يعادل ضعف الضرر الذي تكبده الاقتصاد العالمي إبان الأزمة المالية الكبرى، كما لفت التقرير إلى أن نسب الدين الحكومي في هذه الدول سترتفع مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، بنحو 19 نقطة مئوية، أي نحو ضعفي نسبة ارتفاع الدين الحكومي في عام 2009، أثناء تلك الأزمة المالية.

سيناريوهات مرعبة

ونقلت شبكة «سكاي نيوز عربية»، في تقرير أوردته يوم الأحد 28 يونيو 2020، عن مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، قولها إن «الحكومات في أنحاء العالم أنفقت 10 تريليونات دولار على الإجراءات المالية المتخذة في مواجهة الوباء وتداعياته الاقتصادية، لكن مازالت هناك حاجة لمزيد من الجهود الكبيرة»، وأوضحت أن التقديرات الجديدة تفيد بأن ما يصل إلى 100 مليون شخص قد يسقطون في براثن الفقر المدقع بسبب الأزمة الناجمة عن «جائحة كورونا»، الأمر الذي يهدد بفقدان المكاسب التي تحققت نتيجة جهود تقليص الفقر على مدار الثلاث سنوات الأخيرة.

ومن جانبه، توقع البنك الدولي أن يتسبب فيروس كورونا في تقلص الناتج العالمي للعام 2020 بنسبة 5.2%، وهو ما سيكون «أعمق انكماش» منذ الحرب العالمية الثانية، ودفعت هذه الأرقام السلبية عدداً كبيراً من الدول إلى اتخاذ خطوات، أو التفكير بحلول تعيد الحياة إلى اقتصاداتها المتضررة، وسط تحذيرات من خبراء وعلماء من خطورة هذه الخطوة، إذا لم تكن مدروسة على نحو دقيق، وذلك في حال ظهور «موجة ثانية لوباء كوفيد-19» قد تكون أكثر ضراوة.

ففي بريطانيا، وغداة إعلان رئيس الوزراء، بوريس جونسون، إعادة فتح الحانات والمطاعم وصالونات تصفيف الشعر والمتاحف ودور السينما، اعتباراً من مطلع يوليو، بعد إغلاقها منذ نهاية مارس، نشر ممثلو الأوساط الطبية رسالة مفتوحة في مجلة «بريتيش ميديكال جورنال» المتخصصة، وكتب موقعو الرسالة، ومن بينهم رئيس الجمعية الطبية البريطانية، التي تمثل الأطباء في المملكة المتحدة: «رغم أنه من الصعب التكهن بالشكل الذي ستتخذه الجائحة في المملكة المتحدة، فإن الأدلة المتوافرة تكشف تزايد احتمال ظهور بؤر محلية، وأن هناك خطراً فعلياً بحصول موجة ثانية»، وتابع الموقعون على الرسالة: «ينبغي الآن عدم الاكتفاء بمعالجة العواقب المهمة الناجمة عن المرحلة الأولى للوباء، بل يجب أيضاً التأكد من أن البلاد مهيأة بالشكل المناسب، لاحتواء مرحلة ثانية».

وفي تحذير جديد أواخر الأسبوع الماضي، عبّرت منظمة الصحة العالمية عن قلقها من أن إصابات فيروس «كورونا» قد ترتفع من جديد في أوروبا، مشيرة إلى تخوفها إزاء الأنظمة الصحية في حال لم تجر السيطرة على هذا التفشي الجديد، الذي بدأ بعد رفع قيود العزل، وأعلن مدير فرع أوروبا في المنظمة، هانز كلوغ، في مؤتمر صحفي عبر الفيديو من العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، أن أوروبا شهدت ارتفاعاً في عدد الإصابات اليومية خلال الأسبوع الماضي، للمرة الأولى من أشهر، مشيراً إلى أن 30 دولة سجلت ارتفاعاً في عدد الإصابات التراكمية خلال الأسبوعين الأخيرين، وأوضح أنه في 11 من هذه الدول، أدى تسارع العدوى إلى انتشار كبير مجدداً يمكن، في حال عدم السيطرة عليه، أن يدفع الأنظمة الصحية، في عموم القارة الأوروبية، إلى استنفاد طاقاتها مرة أخرى.

ملامح الموجة الثانية

ورغم التخوف من خطورة الموجة الثانية لفيروس «كورونا»، إلا أن عدداً من الخبراء والمختصين يرون بعض المؤشرات الإيجابية، التي يعتقدون أنها ستساهم في تخفيف حدة الفيروس، وبحسب الباحثة في علم الأدوية في كلية «كينغز كولدج» بلندن، الدكتورة ميس عبسي، فقد طورت الدول بروتوكولات للتعامل مع «كوفيد-19» باحترافية، وهناك أيضاً تجارب سريرية خاصة بالفيروس، بدأت تؤتي نتائج مبشرة على مستوى علاج المصابين بالمرض، أو الأعراض المرتبطة بالوباء، ونقل موقع «سكاي نيوز» عن الباحثة السورية قولها إنه «حتى إذا كانت هناك موجة ثانية لفيروس كورونا، فقد أصبح العالم اليوم يتمتع بمعرفة أكبر بشأن طبيعته وآليات انتشاره، فضلاً عن التوصل لعلاجات مجدية في عدد من الحالات، وكل ذلك يقودنا للاعتقاد بأن الجولة القادمة ستكون أقل ضرراً».

وعما إذا كانت التوقعات بشأن الموجة الثانية لـ«جائحة كورونا» تتأرجح بين أنها قد تكون أكثر قوة أو ضعفاً، وهو السؤال الذي يشغل الكثيرين في جميع أنحاء العالم، ردت «عبسي» بقولها إن «الإجابة على هذا السؤال غير معروفة»، إلا أنها أشارت إلى أهمية «عامل المناعة»، الذي تم تطويره خلال المدة الممتدة من ظهور الوباء وحتى الآن، ووجود الأجسام المضادة في «بلازما» المتعافين، وهي من الأمور التي قد تلعب دوراً محورياً في الحرب ضد الوباء في أي موجة تالية.

أما استشاري علاج الأمراض المعدية بكلية الصيدلة والعلوم الطبية في جامعة «البتراء» بالمملكة الأردنية، الدكتور ضرار بلعاوي، فقد شدد على أنه «لا يمكن معرفة إمكانية حدوث موجة ثانية لفيروس كورونا، أو موعد حدوثها»، ولكنه رجح أن تكون هذه الموجة، في حالة حدوثها، في الخريف أو الشتاء، إلا أنه عاد ليؤكد أن تاريخ الفيروسات التاجية، ومنها «كورونا»، يشير إلى ضعفها بمرور الوقت وانتقالها من شخص إلى آخر، وذلك لكونها تفقد تكوينها الجيني.

ودعا الطبيب الأردني إلى التفريق بين مصطلحي «الموجة» و«الارتداد»، معرباً عن توقعه حدوث موجة مع دخول فصلي الخريف والشتاء، وأوضح أن ما حدث في بعض الدول التي عادت لتسجيل إصابات بها بعد تراجع ملحوظ، يرجع إلى عودة عدد من مواطني تلك الدول المصابين بالفيروس إلى بلدانهم الأصلية، وهذا ما يُعد «ارتدادات وبائية» وليس موجة جديدة، معتبراً أنه لا يمكن التوصل إلى استنتاجات نهائية بشأن شدة الموجة الثانية، خاصةً وأن تخفيف القيود قد يجعل البعض يشعرون بإحساس زائف بالأمان، إلا أنه أكد أن دراسة الفيروسات المعروفة أثبتت أن طفراتها وموجاتها التالية لم تكن أشرس من الأولى.

ورداً على توقعات البعض بأن الموجة الثانية ستكون أكثر ضراوة، استناداً إلى مقارنة «جائحة كورونا» بـ«الإنفلونزا الإسبانية» في العقد الثاني من القرن الماضي، التي كانت موجتها الثانية أقوى، قال «بلعاوي»: «ينبغي أن ندرك أن الظروف مختلفة، فقوة الموجة الثانية من الإنفلونزا الإسبانية كانت بسبب عودة الجنود من الحرب العالمية الأولى، حاملين معهم المرض، كما أن الإجراءات الاحترازية، كالتباعد وارتداء الكمامات، لم تكن موجودة آنذاك، لذا كانت الأثار كبيرة».

الاستعداد للجولة القادمة

ويجمع الخبراء على أن التقليل من آثار الموجة الثانية لـ«كورونا»، حال حدوثها، أمر ممكن عبر سلسلة إجراءات قابلة للتنفيذ، يلخصها استشاري الأمراض المعدية في جامعة «البتراء» بقوله إن «كورونا يختلف عن الإنفلونزا بأنه سريع الانتشار، لذا ينبغي مراعاة التباعد الجسدي، والحرص على تعقيم اليدين عند لمس الأسطح الملوثة، وارتداء الكمامة»، كما شدد على ضرورة تناول «لقاح الإنفلونزا» قبل دخول الشتاء في شهر أغسطس أو سبتمبر، وخصوصاً لكبار السن والأطفال.

وبينما لفت «ضرار» إلى أن عدداً من الدراسات العلمية أثبتت أن «لقاح الإنفلونزا» قد يخفف من خطر الإصابة بفيروس «كورونا» بنسبة تتراوح بين 10 إلى 30 في المائة، كما أن التطعيم سيساعد العاملين في القطاع الطبي على حصر الأعراض لدى المرضى الذين أخذوا اللقاح بكونها خاصة بـ«كورونا» في حالة إصابتهم، فقد دعت «عبسي» إلى أن تكون عملية إنهاء إجراءات الإغلاق تدريجية، مع اتخاذ الاستعدادات اللازمة لضمان سرعة الاستجابة، لاحتواء أي بؤر محتملة عند ظهورها مجدداً، وزيادة اختبارات الكشف عن الفيروس، ومتابعة المصابين والمخالطين بصورة مستمرة.