حرائق غابات الأمازون تخنق “رئة الأرض” وتهدد الكوكب بكوارث بيئية جديدة

تغيرات المناخ والأنشطة البشرية تفاقم الكارثة.. والأقمار الصناعية تسجل زيادة 85% في عدد الحرائق

تحذيرات دولية: حرائق الغابات تقلص فرص هطول الأمطار وتتسبب في زيادة حدة الجفاف تدريجياً

حالة من القلق تجتاح العالم مع اتساع نطاق الحرائق التي تلتهم غابات “الأمازون”، والتي بدأت تتخذ أبعاداً كارثية، بل وتهدد بكوارث بيئية خطيرة، حيث أن الغابات الأكبر على سطح اليابسة، والتي يُطلق عليها “رئة الأرض”، هي المسؤولة عن إنتاج ما يقرب من 20% من الأكسجين في الغلاف الجوي الذي يحيط بالكوكب، كما أنها توفر أكثر من ربع احتياجات العالم من اللحوم، حيث تُعد مرتعاً لما يزيد على 200 مليون رأس من الماشية، بالإضافة إلى أنها توفر موائل للكثير من الأنواع النباتية والحيوانية الأخرى.

وعلى الرغم من أن طبيعة الغابات المطيرة تمنحها قدرة ذاتية على مكافحة الحرائق، إلا أنها تشهد آلاف الحرائق سنوياً خلال موسم الجفاف، وعادةً ما تكون حرائق محدودة، ولكن هذا العام هو “الأسوأ على الإطلاق” لمنطقة الأمازون، بعدما أظهرت صور وبيانات الأقمار الصناعية زيادة كبيرة في أعداد الحرائق بنسبة 85% عن العام الماضي، حيث تم تسجيل أكثر من 72 ألف حريق منذ بداية 2019، مقابل 40 ألف حريق خلال نفس الفترة من العام الماضي، ويُعد الرقم المسجل هذا العام هو الأعلى منذ 2013.

بداية الكارثة

ووفق مصادر رسمية في الحكومة البرازيلية، فقد بدأت الحرائق “عمداً”، أثناء محاولة مجموعة من المزارعين إزالة بعض الأشجار بطريقة غير قانونية، من أجل تربية الماشية، مشيرةً إلى أن هذا هو الدافع الأكبر وراء إزالة الغطاء النباتي في مختلف بلدان الأمازون، وقد تأثرت أنحاء واسعة من البرازيل بشكل مباشر بالحريق، الذي استمر لنحو 3 أسابيع متواصلة، وتسبب الدخان الكثيف في انقطاع التيار الكهربائي عن مدينة “ساو باولو”، أكبر مدن البرازيل، والتي غرقت في الظلام نتيجة سحب الدخان، كما أعلنت ولاية “أمازوناس”، أكثر الولايات تضرراً، حالة الطوارئ بسبب الحرائق.

وبينما أشار خبراء الأرصاد الجوية في البرازيل إلى أن الحرائق الكثيفة في بوليفيا، وبعض المناطق الأخرى المجاورة، كانت سبباً في سحابة الدخان التي غطت مدينة “ساو باولو”، بعدما غيرت الجبهة الباردة اتجاه الرياح نحو المدينة البرازيلية، فقد أرجعت وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” سبب تفاقم كارثة حرائق غابات الأمازون، رغم ما تتميز به من رطوبة طبيعية، إلى تزايد حدة موسم الجفاف، الذي يمتد من يوليو إلى أكتوبر، وإلى الأنشطة البشرية لآلاف المزارعين والحطابين، الذين يقومون بقطع أشجار الغابات، بغرض أنشطة الزراعة أو الرعي الجائر.

تهديدات عالمية

ولا يوجد أدنى شك في أن انخفاض مساحة غابات الأمازون يشكل خطراً كبيراً يهدد الحياة على كوكب الأرض بأكمله، وليس المنطقة المحيطة بالأمازون فقط، لأن اختفاء تلك الغابات قد يؤدي إلى حرمان الأرض من هطول الأمطار، مما يعرّض الكوكب لمزيد من الجفاف تدريجيًا، وهو ما يؤثر أيضاً على حالة الطقس في مختلف أنحاء العالم، حيث حذرت دراسة نشرتها مجلة “نيتشر” من أن إزالة الغابات يمكن أن تقلل من هطول الأمطار في المناطق المجاورة.

كما نقل موقع مجلة “ناشيونال جيوغرافيك” عن مجموعة من الخبراء والباحثين في مجالات البيئة والمناخ والغابات الاستوائية، تحذيرهم من أن فقدان أشجار غابات الأمازون سيؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من الغازات الدفيئة، التي تسبب ارتفاع درجات الحرارة على كوكب الأرض، كما أن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون ستزداد بشكل كبير، لدرجة أن جميع سكان الأرض قد يعانون نتيجة ذلك.

وأظهرت قياسات المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى للانبعاثات الكربونية الناتجة عن حرائق غابات الأمازون، أنه بحلول 20 أغسطس أنتجت تلك الحرائق حوالي 23 مليون طن من غاز ثاني أكسيد الكربون، ومقارنةً بالغابات الأخرى فإن غابات الأمازون تنتج كميات أكبر من ثاني أكسيد الكربون عند احتراقها، ويرجع ذلك إلى أن الغابات المطيرة كثيفة للغاية، بما يُقدر بحوالي أربعة أضعاف كثافة الغابات الأمريكية العادية.

تبادل الاتهامات

وبينما أكد رئيس برنامج الأمازون بالصندوق العالمي للطبيعة، ريكاردو ميلو، أن الحرائق كانت نتيجة لزيادة أنشطة إزالة الغابات التي تم ملاحظتها من خلال الأرقام والبيانات الصادرة في الفترة الأخيرة، ردت الحكومة البرازيلية عبر مدعين فيدراليين أكدوا أنه تم فتح تحقيق رسمي بشأن تلك الأنشطة، وسيعملون على تحديد ما إذا كان هناك أي تقصير في مراقبة وإنفاذ الحماية البيئية، في الوقت الذي يلقي خبراء البيئة باللوم على الرئيس البرازيلي، جايير بولسونارو، ويتهمونه بتشجيع الحطابين والمزارعين على قطع الأشجار، مما أدى إلى فقدان مساحات واسعة من الغابات في منطقة الأمازون.

ويستند خبراء البيئة في تلك الاتهامات إلى أن الحكومات البرازيلية السابقة تمكنت من تقليل معدل انحسار مساحة الغابات، من خلال سلسلة إجراءات للوكالات الاتحادية، تضمنت فرض غرامات مالية كبيرة على المخالفين، في حين أن الرئيس “بولسونارو” ووزراء حكومته قد انتقدوا تلك العقوبات، وهو الأمر الذي رد عليه الرئيس اليميني بقوله إن تلك الاتهامات تأتي ضمن حرب موجهة ضد حكومته، واتهم منظمات غير حكومية بإشعال الحرائق، كما اتهم الوكالة العلمية البرازيلية بـ”الكذب”، فيما يتعلق بمستوى تراجع مساحات الغابات، معتبراً أنها هي الأخرى تحاول تقويض حكومته.

ردود أفعال دولية

وفيما تتواصل الضغوط الدولية على الرئيس البرازيلي للتحرك بشكل عاجل من أجل حماية غابات الأمازون، واحتواء الحرائق الهائلة المستمرة منذ بداية أغسطس، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، حملة لإنقاذ الأمازون، معرباً عن قلقه العميق إزاء الحرائق المشتعلة في الغابات الاستوائية الأكبر في العالم، وقال في بيان أصدرته المنظمة الأممية: “في خضم أزمة مناخية عالمية، لا يمكننا أن نتحمل إلحاق الضرر بأكبر مصدر رئيسي للأكسجين والتنوع البيئي”.

كما كتب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في تغريدة على موقع “تويتر” قائلاً: “بيتنا يحترق فعلياً، غابات الأمازون المطيرة، الرئة التي تنتج 20 في المئة من الأكسجين على كوكبنا، تحترق”، معتبراً أنها “أزمة دولية”، داعياً الدول الأعضاء في مجموعة السبعة الصناعية الكبرى، إلى مناقشة هذه القضية الطارئة، خلال القمة التي استضافتها بلاده خلال الأسبوع الأخير من شهر أغسطس الماضي، فيما عرض رئيس الإكوادور، لينين مورينو، على نظيره البرازيلي إرسال ثلاث وحدات من رجال الإطفاء المتخصصين في مكافحة حرائق الغابات.

ومع انطلاق جلسات العمل الرسمية لقمة مجموعة السبع في مدينة بياريتز الفرنسية، والتي تركزت مناقشاتها حول قضايا عدم المساواة وتغير المناخ وتمكين المرأة، بالإضافة إلى قضية حرائق غابات الأمازون، التي فرضت نفسها على جدول الأعمال في اللحظات الأخيرة، قال الرئيس الفرنسي: “علينا أن نستجيب لنداء المحيط، ونداء الغابة التي تحترق اليوم في الأمازون”.

وعلى الرغم من أن حرائق غابات الأمازون خلال عام 2019 تبدو مدمرة، إلا أن إزالة البشر للغابات لها تداعيات أكبر قد تقود إلى التصحر، وتؤدي في النهاية إلى إضعاف قدرة الأمازون على تخزين الكربون، وهو وضع لا يمكننا تحمل كلفته في هذه الأوقات المناخية العصيبة.