عدم إهمال أحد.. مبادرة لمكافحة الإقصاء الاجتماعي وتعزيز حقوق المهمشين

دراسات حالة لسكان المقابر في مصر ومزارعي الريف الجنوبي بتونس وعمال التبانة بشمال لبنان

 
في ضوء ما أظهرته العديد من الدراسات بشأن ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب في المنطقة العربية إلى أكثر من ضعف المتوسط العالمي، وأن الفقر المتعدد الأبعاد يرهق ما يزيد على 40% من الشعوب العربية، عقدت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا”، اجتماعاً تحت عنوان “عدم إهمال أحد.. الوصول إلى أكثر الفئات المهمشة في بلدان مختارة في المنطقة العربية”، من خلال دراسات حالة للسكان في بعض المناطق بكل من مصر وتونس ولبنان.

الاجتماع الذي نظمته الإسكوا في مقرها بالعاصمة اللبنانية بيروت، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، والجامعة اللبنانية الأمريكية، استمر على مدار يومي 13 و14 مايو 2019، بمشاركة مجموعة من الخبراء الدوليين، وكان فرصة لمراجعة تقرير قيد الإعداد، يحمل ايضاً نفس عنوان الاجتماع، ويركز على دراسة 3 حالات، وهى سكان الريف الجنوبي والمناطق الغربية في تونس، وسكان المقابر في مصر، وسكان منطقة “التبانة” في شمال لبنان.

وفي كلمتها بافتتاح الاجتماع، قالت الأمين التنفيذي للإسكوا، الدكتورة رولا دشتي، إن عدد سكان المنطقة العربية المتأثرين بالنزاعات، يقدَّر أن يرتفع إلى أكثر من 300 مليون شخص في عام 2020، واصفةً ذلك بـ”التحولات والتغيّرات المتسارعة، التي تعيد رسم ملامح المنطقة العربية، وتلقي بوزرها الأكبر على الفئات الأكثر ضعفاً”، واعتبرت أنّ عدم توافر البيانات الموثوقة وحسنة التوقيت والمصنّفة “يحول دون الإلمام بأوضاع الفئات المهمّشة، وبالتالي دون تلبية احتياجاتها”.

وشددت “دشتي” على ضرورة قيام حكومات الدول العربية بالاستثمار في توفير البيانات وجودتها، وقالت إنّ “الإسكوا، بما تعدّه من إحصاءات ودراسات، تؤازر بلدانها الأعضاء، لاعتماد تقنيات خارجة عن المألوف، من أجل تكوين صورة وافية عن احتياجات الفئات الضعيفة وظروفها”، ودعت الأمين التنفيذي إلى وضع سياسات اقتصادية واجتماعية عادلة وتشاركية وشاملة لا تهمل أحداً، وقالت: “لتعزيز كفاءتها، لا بدّ من آليات غير تقليدية للتنفيذ والمتابعة والمساءلة”.

وبينما ناقش الخبراء الأسباب الجذرية للتهميش في المنطقة العربية عموماً، وفي الدول المختارة تحديداً، وصولاً إلى مجموعة من التوصيات للسياسة العامة للتغلب على الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، وتشجيع بناء مؤسسات لا تقصي أو تهمل أحداً، فقد تناولت اخصائية العلوم الاجتماعية والإنسانية في المكتب الإقليمي لليونسكو، سيكو سوجيتا، أسباب عدم المساواة في المنطقة العربية، بما في ذلك العنف والنزاعات والاحتلال العسكري والتحرر الاقتصادي وغيرها، وقالت إن طبيعة خطة 2030 للتنمية المستدامة المتكاملة وأهدافها الـ17 تتطلب اتساقاً أكبر للسياسات على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال روابط أقوى بين بحوث العلوم الاجتماعية وصنع السياسات.

وبحسب دراسات وتقديرات سابقة تعود لعام 2008، فقد بلغ عدد الذين يعيشون في مقابر بالقاهرة نحو 1.5 مليون شخص، ومن المتوقع  أن يكون هذا العدد قد ارتفع حالياً إلى ما يزيد على 1.9 مليون شخص، أما في لبنان، فتشير الدراسات إلى أنّ منطقة “التبانة” تعاني من التهميش، نتيجة غياب الإرادة السياسية والمركزية، بينما يبقى العمال والشباب والمسنون والأشخاص ذوو الإعاقة أكثر الفئات تهميشاً، ومن أبرز أسباب التهميش الاقتصادي لسكان الريف الجنوبي والمناطق الغربية في تونس، عدم القدرة على استقطاب الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي، وارتفاع نسب البطالة بين الشباب، وضعف الكثافة السكانية، وغياب التوطن الصناعي، وضعف خلق فرص العمل الحديثة، التي تؤدي جميعها إلى موجات واسعة من النزوح الداخلي والهجرة.

وقد شهد الاجتماع كلمة رئيسية لممثلة مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين في لبنان، ميراي جيرارد، التي أكدت أن عدداً كبيراً من الناس أجبروا على الفرار من ديارهم، بشكل لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية، وقالت: “هذا العدد يزداد باستمرار، وحالياً هناك أكثر من 68 مليون نازح قسري على مستوى العالم، بينهم أكثر من 25 مليون لاجئ”، وأضافت: “صحيح أننا شهدنا تقدماً هائلاً في مكافحة الفقر والظلم، لكنّ الكثيرين من الأشد ضعفاً والمستبعدين والمحرومين والأكثر تعرضاً للعنف والتمييز، لا يزالون يواجهون تفاوتاً رهيباً في الحصول على الموارد والحقوق”.

ومن جهته، تحدث رئيس الجامعة اللبنانية الأمريكية، الدكتور جوزيف جبرة، عن دور الجامعة في تحقيق العدالة الاجتماعية، وقال: “نسعى من خلال برامجنا الاكاديمية ونهجنا المجتمعي الذي يميّزنا، إلى إحقاق المساواة الاجتماعية”، وأضاف أنّ “مفهوم العدالة المجتمعية وتحقيق المساواة واجب ارتضيناه كمربّين وأكاديميين، بالرغم من كل العوائق والمصاعب والعراقيل التي بعيشها بعضُ شرقِنا، ولن يكون الوصول إلى الغايةِ الأسمى، إلاّ بتضافر كلّ الجهود”.

كما تطرق الاجتماع، في جلساته التي استمرت على مدار يومين، الضوء إلى حالة حقوق الإنسان للمهاجرين واللاجئين في ليبيا، والاقصاء في المنطقة العربية من منظور النوع الاجتماعي، وفهم التعليم الشامل بناءً على حالة 5 بلدان في المنطقة العربية.