أنفاق قناة السويس.. “شرايين” التنمية المستدامة في سيناء

على مدار 540 يوماً، وبسواعد أكثر من 3 آلاف مهندس وفنى وعامل، وباستثمارات بلغت أكثر من 12 مليار جنيه، انتهت مصر من حفر وإنشاء 4 أنفاق عملاقة أسفل المجرى الملاحي لقناة السويس، لربط شبه جزيرة سيناء بوادي ودلتا النيل، بعد أن ظلت حركة النقل بين شرق وغرب القناة لعقود طويلة تقتصر على معديات تتبع هيئة القناة، أو عبر نفق “الشهيد أحمد حمدي”، شمال مدينة السويس، أو كوبري “السلام”، الذي تم إنشاؤه مؤخراً جنوب بورسعيد، الأمر الذي كان يسبب معاناة يومية لآلاف المواطنين، بالإضافة إلى تعرض كميات كبيرة من البضائع والمنتجات الزراعية للتلف، حيث كانت مئات الشاحنات تضطر للانتظار لمدة يوم كامل أو أكثر، حتى يتم السماح لها بالعبور إلى الضفة الأخرى.

ومنذ وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية، في منتصف عام 2014، بدأت الدولة المصرية تتخذ خطوات جادة لتعزيز ربط سيناء بباقي المحافظات، والقضاء على هذه المعاناة بشكل نهائي، من خلال إنشاء مجموعة من الكباري والأنفاق، لتكون بمثابة “شرايين جديدة” لبداية حقيقية للتنمية المستدامة في سيناء، وتسهيل حركة النقل والتجارة من وإلى “أرض الفيروز”، حيث تختصر زمن الرحلة بين جانبي القناة إلى 20 دقيقة فقط، وعلى الفور صدر تكليف رئاسي للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بالتعاون مع 4 شركات وطنية، لتنفيذ 4 أنفاق عملاقة أسفل قناة السويس، على أن يتم تدبير ماكينات الحفر اللازمة، بحيث تكون مملوكة للقوات المسلحة، لترشيد تكلفة التنفيذ.

وبدأت ملحمة حفر الأنفاق في يونيو 2016، بعدما وقع اختيار الهيئة الهندسية على شركة “هنركرشت” الألمانية لتصنيع وتوريد 4 ماكينات حفر عملاقة

كاملة بالمعدات المساعدة، والتي تضمنت مصنعين للحلقات الخرسانية، ومحطتين لتوليد الطاقة، بقدرة 18 ميجاوات لكل محطة، إضافة إلى عدد من محطات خلط الخرسانة، والهواء المضغوط، و4 خزانات للمياه، فضلاً عن تدريب 40 مهندساً مصرياً للعمل على هذه الماكينات، وبعد أن تسلمت الهيئة مواقع العمل في فبراير 2015، حيث بدأ وصول الماكينات اعتباراً من نوفمبر في نفس العام، وحتى مارس 2016، وتم تجميعها في مواقعها بأيدي المهندسين والفنيين والعمال المصريين، تحت إشراف الشركة الألمانية.

وفي الخامس من مايو 2019، قام الرئيس “السيسي” بافتتاح الأنفاق العملاقة، والتي تتضمن نفقين للسيارات شمال مدينة الإسماعيلية، بحيث يتم تخصيص نفق لكل اتجاه، بطول 5 آلاف و840 متراً، تم تنفيذهما من خلال تحالف شركتي “بتروجيت – كونكورد”، ونفقين آخرين جنوب بورسعيد، تنفيذ تحالف شركتي “أوراسكوم – المقاولون العرب”، بطول 3 آلاف و920 متراً لكل نفق، وتم تزويد جميع الأنفاق بأنظمة للتهوية، وممرات عرضية لإخلاء الأفراد في حالات الطوارئ، وذلك ضمن 12 مشروعاً تنموياً افتتحها الرئيس في نفس اليوم، تضمنت مدينة “الإسماعيلية الجديدة”، ومحطة عملاقة لمياه الشرب، وكوبري “سرابيوم” العائم، وكوبري “الشهيد أحمد عمر شبراوي” بالسويس، وعدد من المحاور الجديدة، لخدمة الحركة المرورية عبر الأنفاق.

وعن أهمية الأنفاق الجديدة في إحداث تنمية حقيقية في شبه جزيرة سيناء، قال رئيس هيئة قناة السويس ورئيس المنطقة الاقتصادية للقناة، الفريق مهاب مميش، إن هذه الأنفاق تعمل على تسهيل حركة التجارة بين الشرق والغرب، وتفتح مجالات تصنيع جديدة في سيناء، حيث أصبح العبور إليها أكثر سهولة، معتبراً أن سيناء غنية جداً بالموارد الطبيعية، كما تتميز بتوافر مساحات شاسعة يمكن استغلالها في بناء المصانع والمشروعات التنموية، وأضاف أن هناك مجموعة من المشروعات الجاهزة، التي من المتوقع أن يبدأ تنفيذها على الفور، بعد تشغيل الأنفاق وفتحها أمام حركة السيارات.

كما وصفت آمال رزق، عضو مجلس النواب عن محافظة الإسماعيلية، الأنفاق الجديدة أسفل المجرى الملاحي لقناة السويس بأنها “إنجاز عالمي على أعلى مستوى”، مشيرةً إلى أنها “الأكبر على الإطلاق على الصعيدين المحلي والقاري”، وتعمل على ربط سيناء بباقي المحافظات المصرية، بما يسهم في تنميتها اقتصادياً واجتماعياً، وتحسين بيئة الاستثمار بها، ونقل البضائع والمنتجات بسهولة، بينما شدد الدكتور حسن المهدي، أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس، على أن “هذا الربط سيسهم في تعزيز التنمية المستدامة وتغيير ديموغرافية سيناء، والإسراع في معدلات التنمية”، مؤكداً أن “الضامن الأساسي لأمن منطقة سيناء، هو تعميرها وتنميتها بكافة الصور”.

واعتبر الدكتور عدلي سعداوي، عميد معهد البحوث والدراسات الاستراتيجية لدول حوض النيل، أن افتتاح الرئيس “السيسي” للأنفاق الجديدة بمثابة “عبور ثان لتعمير سيناء، وإحداث تنمية حقيقية بها”، مشيراً إلى أنه تم تخطيط المنطقة الاقتصادية المحيطة بقناة السويس، وفق رؤية مستقبلية، تأخذ في اعتبارها مختلف أبعاد التطور المستقبلي في حركة النقل البحري، ومعدلات التبادل التجاري الدولي، وأضاف أن الاهتمام بمنطقة القناة وتنميتها، يُعد عاملاً لوجستياً هاماً فى تسهيل التجارة الأفريقية، والاستفادة من مشروع “الطريق والحزام” الصيني.