سباق مع الزمن لإنقاذ 1.5 مليون مصاب بفيروس “كورونا”

سباق مع الزمن يخوضه العلماء في المختبرات الطبية والهيئات الصحية في مختلف أنحاء العالم، سعياً للتوصل إلى عقار مضاد لفيروس “كورونا” المستجد، الذي مازال يثير حالة من الهلع، بعدما أصاب أكثر من 2 مليون شخص، أودى بحياة ما يقرب من 140 ألفاً منهم، بينما مازال قرابة 1.5 مليون من المصابين يعانون ويلات المرض داخل مراكز الحجر الصحي، بعيداً عن ذويهم وأقرانهم، وسط إجراءات العزل القاسية، على أمل التعافي من ذلك الوباء اللعين.

وفور إبلاغ منظمة الصحة العالمية بأولى الإصابات في مدينة “ووهان” الصينية، وفي إطار استجابة المنظمة للمرض، الذي جرى توصيفه كـ”جائحة عالمية”، بعد انتشاره في غالبية دول العالم، تم تفعيل مخطط أولي للبحث والتطوير، بهدف تطوير وسائل التشخيص واللقاحات والعلاجات لمكافحة الفيروس المستجد، الذي أطلقت عليه اسم “كوفيد-19″، وبدأ فريق من الخبراء، من مختلف التخصصات، العمل على تطوير اللقاحات اللازمة، بتنسيق وإشراف كامل من المنظمة.

ووجه فريق الخبراء نداءً جماعياً إلى شعوب العالم بضرورة اتباع التوصيات الرامية إلى منع انتقال الفيروس، وحماية صحة الأفراد، كما أعربوا عن شكرهم للجميع على وضع ثقتهم في الأوساط العلمية، وفق ما جاء في إعلان وقع عليه أعضاء الفريق من علماء وأطباء وممولين ومصنعين، ونشرته منظمة الصحة العالمية على موقعها الرسمي، أكدوا فيه تكاتفهم للعمل سوياً، في إطار تعاون دولي، للمساعدة على التوصل سريعاً إلى إتاحة لقاح ضد مرض “كوفيد-19”.

وأضاف الخبراء أنه “رغم أن تطوير لقاح للاستخدام العام يستغرق وقتاً طويلاً، فقد يكون لهذا اللقاح أهمية حاسمة في السيطرة على هذه الجائحة العالمية”، معربين عن ترحيبهم بالإجراءات والتدابير التي اتخذتها السلطات المحلية في مختلف دول العالم، للحد من انتشار الفيروس، كما تعهدوا بالعمل على تطوير لقاح في أسرع وقت ممكن، وأكدوا في ختام البيان: “سنواصل جهودنا لتعزيز ما نشهده اليوم من تعاضد وتعاون وتبادل للمعلومات على نطاق عالمي غير مسبوق، ونؤمن بأن ذلك سيساعد على الحدّ من ثغرات الكفاءة وازدواجية الجهود، وسنواصل عملنا بكل همّة وجد، لتعزيز احتمالية التوصل إلى لقاح مأمون وفعال، واحد أو أكثر، يكون متاحاً للجميع”.

وخلال الشهور القليلة الماضية، وبعد أن تمكن الأطباء من تحديد الأضرار التي يسببها الفيروس في جسم المصاب، تم اختبار أكثر من 60 مركباً مختلفاً، تتضمن أدوية وعلاجات تم تركيبها من الصفر، ولكن حتى الآن مازال العلاج المُقدم للمصابين يتمثل في المسكنات ومخفضات الحمى وبعض المضادات الحيوية، لمنع البكتيريا من انتهاز فرصة ضعف الجسم، بينما المرضى الذين يعانون عجزاً كبيراً في وظائف الرئتين، يتم وضعهم على أجهزة التنفس الصناعي، لإبقائهم على قيد الحياة أطول فترة ممكنة، على أمل أن يتمكن الجهاز المناعي للمريض من مكافحة الفيروس.

وتوصل الأطباء إلى أن خطورة فيروس “كورونا” تكمن في أنه عندما يدخل خلايا المصاب يقوم بالسيطرة على الجسيمات المولدة للبروتينات، ثم يبدأ في نسخ نفسه، ليغزو الخلايا المجاورة، وتتكرر عملية الغزو داخل الأنسجة، وعندما تموت الخلايا يبدأ الجهاز المناعي في الانتباه لذلك الغزو، وسرعان ما تبدأ الخلايا المناعية في إفراز مادة كيميائية “السيتوكينات”، لحشد المزيد من الخلايا المقاومة للمرض، وعندها يبدأ الصراع بين الفيروس والجهاز المناعي، وهو الصراع الذي تحسم نتيجته مصير المريض.

إلا أن الأطباء حذروا من أن الصراع يكون غير متكافئاً في بعض الحالات، نظراً لعاملين، أولهما أن يكون الجهاز المناعي نفسه سبباً في انتكاسة المصاب، حيث أنه يأمر الخلايا المصابة بالانتحار، وهي طريقة فعالة لمنع انتشار الفيروس، ولكن مع زيادة الخلايا الميتة تبدأ بعض أجهزة الجسم بالفشل، أما العامل الثاني فيتمثل في ارتفاع مستوى مادة “السيتوكينات” في الدم، الأمر الذي قد يتسبب في خروج الجهاز المناعي عن السيطرة، وتصبح الخيارات أمام الأطباء محدودة للغاية.

ومع ذلك، فقد أظهرت تحليلات أجرتها المراكز الأمريكية للسيطرة والوقاية من الأمراض شملت التقارير الطبية التي قدمتها الصين عن حالات الإصابة الأولى بفيروس “كورونا” أن الجهاز المناعي يمكنه أن ينتصر بسهولة في ذلك الصراع بمعدل 4 من بين كل 5 حالات، وبالنسبة للمرضى الذين يكون النصر حليفاً لمناعتهم فإنهم إما لا تظهر عليهم أي أعراض، أو أن تنتابهم بعض الأعراض الشبيهة بنزلة البرد أو الإنفلونزا، في حين يعاني آخرون بشدة، وغالباً ما يُصابون بالتهاب رئوي حاد قد يهدد حياتهم.

ووفق تقارير ودوريات طبية، فإن الباحثين ينتهجون 3 استراتيجيات رئيسية في العلاجات المقدمة لمكافحة مرض “كوفيد-19″، بهدف منح أجسام المرضى فرصة أفضل للنجاة، حيث تعتمد الاستراتيجية الأولى على استخدام الأدوية المضادة للفيروسات، من أجل إيقاف أو إبطاء قدرة الفيروس على نسخ نفسه، مما يمنح أفضلية لصالح الجهاز المناعي، بينما تعتمد الاستراتيجية الثانية على وضع حد لخروج الجهاز المناعي عن السيطرة، وهذا لا يعني وقف عمل الجهاز المناعي، ولكن خفض نشاطه قليلاً.

أما الاستراتيجية الثالثة، فتعتمد على التعرف على البروتينات المضادة للفيروس، التي يفرزها الجهاز المناعي للمصاب، كرد فعل على إصابته بالعدوى، وبالتالي يمكن استخدام هذه البروتينات لوقف انتشار الفيروس في الجسم، الأمر الذي يمنح الأمل في أن العلاج قد يكمن في المتعافين من الفيروس، وبالفعل تم تجربة استخدام مكونات “بلازما” من بعض المتعافين لمرضى آخرين، ولكن مازالت النتائج قيد التقييم.

إلا أن فريقاً من الباحثين في كلية جون هوبكنز للصحة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية أبدى بعض التفاؤل إزاء استخدام الأجسام المضادة المستخلصة من بعض المتعافين، من خلال بعض التجارب السريرية التي يتم إجراؤها في 4 أماكن مختلفة، لتقييم النتائج، حيث خلص إلى أن “الأجسام المضادة في المصل تمتص الفيروسات مثلما تمتص الإسفنجة السوائل المسكوبة”، وأوصى الفريق بإنشاء “بنك بلازما” مخصص لفيروس “كورونا”، يمكن توفير أجسام مضادة من المتعافين لغيرهم من المرضى، حيث يمكن للناجي الواحد التبرع ببلازما تكفي لإنقاذ اثنين من المرضى.

وعلى الصعيد العربي، أكدت الوزارات والمؤسسات البحثية والهيئات المعنية بإنتاج وتداول الأدوية في كثير من الدول العربية، ومن ضمنها هيئة الدواء المصرية، أن الحديث عن أية أدوية أو لقاحات للوقاية أو علاج حالات الإصابة بفيروس “كورونا”، أمر مازال سابق لأوانه، حيث لم يتم اعتماد أي دواء أو لقاح حتى الآن، وأن جميع الأدوية المطروحة مازالت فى إطار الاستخدام التجريبي، كما أكدت الهيئة المصرية أنها تتابع هذا الأمر باهتمام بالغ، مع كافة الدوائر العلمية والجهات والهيئات الصحية الدولية، للوقوف على مستجدات نتائج التجارب المعملية والدراسات السريرية التى تجرى حالياً لاختبار مدى فاعلية وأمان الأدوية المقترحة لعلاج حالات الإصابة بفيروس “كوفيد-19” بمختلف دول العالم.