الدول العربية تعلن الحرب على “كورونا”..  إجراءات تعزيز القدرة على الصمود

السعودية الأولى في الإنفاق على قطاع الصحة وانهيار حاد بخدمات المستشفيات باليمن

لا يبدو اسم “كورونا” غريباً على مسامع المواطنين في الشارع العربي، إذ سبق لهذا الفيروس، المسبب لمرض “متلازمة الشرق الأوسط التنفسية”، أن انتشر في عدة دول عربية سنة 2012، مخلفاً مئات من المصابين وعشرات القتلى، كان اغلبها في المملكة العربية السعودية، وهو ما جعل فيروس “كوفيد 19″، القادم من الصين، ضيفاً يثير الرعب لدى قطاعات كبيرة من المواطنين ووسائل الإعلام في العالم العربي، وحصل الجيل الجديد من الفيروس على اهتمام المواطنين، بين الساخر من بعض الإجراءات الاحترازية في الدول العربية، وبين محاولات السلطات للحد من انتشاره، وقد طرح هذا التباين تساؤلاً حول إمكانية الدول العربية في مواجهة أي عدوى محتملة، أو إمكانية تقديم العلاج للمصابين.

وتتفاوت طبيعة الدول العربية من حيث المؤشرات الصحية، والرعاية الطبية ومعدلات الوفيات، ويعود هذا غالباً لوضع الدولة الاقتصادي، فبينما تتمتع دول الخليج العربية، والدول النفطية بمؤشرات متوسطة، فإن الدول العربية الفقيرة، مثل اليمن والصومال، تعاني من مؤشرات صحية سيئة، وهذا ما يجعل التعامل مع فيروس “كورونا” متفاوتاً ومختلفاً من دولة إلى أخرى، إذ على سبيل المثال، يعتبر القطاع الصحي أحد أولويات السعودية، مع نمو يقدر بنحو 8 في المائة، وتوقعات بارتفاع متوسط العمر المتوقع خلال العقود القادمة، بينما يعاني القطاع الصحي في اليمن من تهديدات بالانهيار، وانخفاض الخدمات العامة التي تقدمها المستشفيات بنسبة تتجاوز 30 في المائة.

مصر والسعودية.. الفرص والتحديات

وكذلك تعاني مصر، التي يمكن القول إنها تتمتع بنظام صحي متوسط الأداء من بين الدول العربية، من قلة الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، إذ أنفقت ما يقدر بحوالي 1.2 في المائة فقط من إجمالي الناتج المحلي، مما أدى إلى تراجع كبير في مقومات البنية التحتية لتقديم الخدمات الصحية، وإن كانت إجراءات مكافحة العدوى في المستشفيات الحكومية قد شهدت تحسناً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، بحسب تصريحات أمين عام نقابة الأطباء، الدكتور إيهاب الطاهر، الذي حذر أيضاً من أن العديد من المستلزمات المطلوبة لمواجهة فيروس “كورونا” مازالت غير متوفرة.

وتظهر هذه الأرقام أن التعامل مع أي عدوى فيروسية في العالم العربي ستختلف بين دولة وأخرى، حيث يبدو أن معظم الدول لديها القدرة على التعامل مع عدد قليل من حالات الإصابة بفيروس “كورونا”، ولكن في حال انتشاره بشكل وبائي، فسيكون من الصعب تقديم العلاج، أو ضبط انتشار الفيروس، وبينما يقع على عاتق وزارات الصحة التأكد من توافر المستلزمات الطبية المطلوبة في المستشفيات الحكومية والخاصة، فقد تلجأ بعض المراكز الطبية الخاصة إلى تجاوز هذه الاشتراطات، بغرض تقليل نفقاتها وزيادة أرباحها على حساب صحة المواطنين من المترددين عليها أو غيرهم.

ولا تعتبر هذه الإشكالية، المتعلقة بتوفير المستلزمات الطبية، عقبة أمام المملكة العربية السعودية، والتي تتمتع بالمرتبة الأولى من حيث الإنفاق على القطاع الصحي، بميزانية سنوية تقترب من 50 مليار دولار، وبحسب تصريحات أدلى بها الدكتور مجدي الطوخي، استشاري الأمراض المعدية في المملكة، ومؤلف أول كتاب باللغة العربية عن “كورونا”، للتلفزيون الألماني، فإن السعودية لديها لقدرة على تحمل الضغط في حالة الكشف عن حالات مرضية، إذ تتمتع المستشفيات بقدرة استيعابية كبيرة، معتبراً أن “المملكة دولة متطورة في الرعاية الصحية”.

خطط الوقاية والخبرات السابقة

وبينما يلعب كل من المستوى الاقتصادي والإنفاق الحكومي على القطاع الصحي دوراً في الأداء الصحي للحكومات العربية للتعامل مع الفيروس، فإن الخبرة المرتبطة بالفيروسات التاجية “كورونا” تشكل عاملاً آخراً، فالمملكة العربية السعودية، التي فقدت 520 مواطناً ما بين العامين 2012 و2015، بسبب فيروس “كورونا الشرق الأوسط”، استطاعت أن تطور من إجراءاتها الاحترازية بناءً على تجربتها، إذ أصبح لدى الرياض خطة طوارئ ومركز مختص لمراقبة الوضع الصحي، ومختبرات ذات جودة، بحسب “الطوخي”، الذي أكد أن وزارة الصحة السعودية اكتسبت خبرة من تجربتها السابقة.

وقد تشابهت الإجراءات الاحترازية بين الدول العربية، بناءً على ما أعلنت الحكومات وما نشرته وسائل الإعلام في كل دولة، إذ تركزت بالأساس على مراقبة المطارات ومعاينة العلامات الحيوية للقادمين من الصين، قبل أن تتسع أعمال الرصد لتشمل جميع القادمين، حتى توقف حركة الطيران والسفر تماماً، وذلك لمنع أي حالة حاملة للمرض من نقل العدوى، إلا أن طبيعة الفيروس الجديد، والذي يسمح له بالانتقال بين الأشخاص في فترة الحضانة، أي قبل ظهور الأعراض، تجعل من هذه الخطوة غير كافية.

ويكمن الإجراء الأولي للكشف عن المرض في قياس درجة حرارة المسافرين، غير أن هذا العرض لا يظهر فترة الحضانة الممتدة ما بين يومين إلى 12 يوماً، مما يعني أن حامل الفيروس قد ينتقل من مكان إلى آخر، وينشر المرض دون القدرة على حصره، وعليه فإن هذا الإجراء قد يكون فعّالاً فقط إن ظهرت العلامات الحيوية للمرض، الأمر الذي دفع غالبية الدول إلى اللجوء للتحاليل المخبرية للكشف عن هذا الفيروس المستجد، دون الاعتماد فقط على أجهزة قياس الحرارة.

الطبيعة الجديدة لفيروس “كوفيد 19” تجعل منه تحدياً بالغاً أمام السلطات الصحية في مختلف الدول العربية، وعليه فإن الخطوة التالية تعتمد على إمكانية حصر الفيروس وضبطه ومنع انتشاره، إن ثبت وجود أي حالة مرضية، وفي هذه الحالة فإن طبيعة النظم الصحية المتبعة في الدول العربية ستتحكم بنجاح هذه الإجراءات من عدمها، خاصةً وأن سرعة انتشار المرض يمكن أن تسبب مشكلة لغالبية الدول، أياً كانت قدرتها وحجم إنفاقها على القطاع الصحي، حيث أن التعامل مع المرض بشكل وبائي يختلف تماماً عن التعامل مع حالات مرضية منفردة، مما يؤكد على أهمية التزام الأفراد بالإجراءات الوقائية التي تقررها كل دولة في إطار الحرب على الفيروس.