منتدى «تيراميد» يضع خريطة طريق لتمويل التحول للطاقة المتجددة وتوطين صناعاتها في مصر
«عدلي»: شراكة استثمارية لتحقيق مستهدفات الطاقة النظيفة.. وخبراء: فجوة التمويل تتطلب تكامل القطاعين العام والخاص
ناقش المنتدى الاستثماري لمبادرة «تيراميد» نحو تنفيذ التحول الطاقي المستدام، الذي نظمته الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد»، في القاهرة، ضمن مشروع «تعزيز كسب الدعوة تجاه الطاقة المتجددة في مصر بشكل استراتيجي»، سبل تسريع التحول إلى الطاقة المتجددة في مصر، وتعزيز الاستثمار الأخضر، وتوفير آليات التمويل اللازمة للمشروعات النظيفة، إلى جانب توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة الشمسية والبطاريات والحلول التكنولوجية.
شهد المنتدى، الذي عقد بمشاركة واسعة من ممثلي الجهات الحكومية والمؤسسات المصرفية والبحثية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، حضور ممثلين عن هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة ووزارات الكهرباء والطاقة المتجددة، والتنمية المحلية والبيئة، والزراعة، والتخطيط، ومركز بحوث الصحراء، إلى جانب البنوك ومؤسسات التمويل والجهات المعنية بدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
جاءت الجلسة الأولى للمنتدى بعنوان «القطاع الحكومي وفرص دعم التحول الطاقي الأخضر»، برئاسة الدكتور عماد الدين عدلي، المنسق العام لشبكة «رائد»، والذي أكد أن تحقيق المستهدفات الوطنية والإقليمية في مجال الطاقة المتجددة لا يمكن أن يعتمد على جهود منفردة، مشددًا على أن التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات التمويلية والمجتمع المدني يمثل ركيزة أساسية لتحقيق أهداف التحول الطاقي والاستفادة من الإمكانات الواعدة في المنطقة.
وأوضح منسق «رائد» أن مبادرة «تيراميد» تستهدف حشد الجهود بين دول شمال وجنوب المتوسط، ولاسيما الدول العربية المطلة على البحر المتوسط، للإسهام في تحقيق المستهدف العالمي بزيادة القدرات المركبة لإنتاج الطاقة المتجددة، وصولًا إلى قدرة إجمالية تبلغ «تيراوات» واحد، مشيراً إلى أن المبادرة تتحرك عبر محورين، أولهما وطني يركز على تحسين المناخ الاستثماري والاستهلاكي، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، والثاني إقليمي يدعم دور منظمات المجتمع المدني في إدارة حوارات وطنية وإقليمية، لتنسيق الجهود، والاستعداد لمتطلبات التحول.
واعتبر «عدلي» أن التوجه المصري لرفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 45% بحلول عام 2028، يمثل فرصة لتعزيز الاستثمارات في الطاقة النظيفة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، مؤكدًا ضرورة إزالة العقبات التي تواجه المستثمرين، ومن بينها التحديات المرتبطة بآليات القياس الصافي، وانعكاسها على الجدوى الاقتصادية للمشروعات، وقدرتها على الوصول إلى المستهلكين.
من جانبه، أوضح الدكتور محمد معتمد، مساعد وزيرة التنمية المحلية والبيئة للتخطيط والاستثمار، أن الدعم التشريعي والمؤسسي للتحول الطاقي يمتد لأكثر من عقد، بدءًا من «رؤية مصر 2030»، وصولًا إلى الاستراتيجية الوطنية للتغيرات المناخية 2050، مشيرًا إلى حوافز تشريعية منحت مشروعات الطاقة المتجددة والتحول الطاقي والهيدروجين الأخضر أولوية للحصول على «الرخصة الذهبية» والمزايا الاستثمارية.
واستعرض مساعد وزيرة البيئة عددًا من الآليات التمويلية القائمة، من بينها مشروع التحكم في التلوث الصناعي، الذي ضخ تمويلات تجاوزت 300 مليون يورو، وأسهم في مشروعات استثمارية تجاوزت قيمتها 550 مليون يورو، إلى جانب صندوق القرض الدوار لدعم المنشآت في تطبيق نظم كفاءة الطاقة، والسوق الطوعي للكربون، الذي يستهدف توفير تدفقات مالية إضافية للمنشآت التي تحقق خفضًا ملموسًا في الانبعاثات.
وطرح الدكتور عمرو عبداللطيف، رئيس قسم الطاقة الجديدة والمتجددة بمركز بحوث الصحراء، رؤية لتلبية احتياجات الاستثمارات في المناطق الصحراوية، التي تغطي أكثر من 90% من مساحة مصر، مشيرًا إلى أن المضخات الشمسية أصبحت محركًا رئيسيًا لسوق الطاقة المتجددة في المناطق القاحلة، خصوصًا في سيناء والوادي الجديد.
وعرض «عبداللطيف» خريطة طريق لتوطين مكونات منظومة الطاقة الشمسية، تشمل الاستفادة من خام «السيليكون» المتوافر محليًا، وإنشاء خطوط لإنتاج مكونات «السيليكون» بمدينة العلمين، إلى جانب تعظيم القدرات المحلية في تصنيع كابلات نقل التيار المستمر، والهياكل المعدنية، والتوسع في تجميع أجهزة تحويل الطاقة، وبناء قاعدة صناعية لبطاريات «الليثيوم» المستخدمة في السيارات والشاحنات الكهربائية.
كما أشار إلى أهمية ربط مناطق الإنتاج الزراعي والآبار بشبكات النقل الكهربائي والقطارات السريعة، موضحًا أن الوادي الجديد يضم أكثر من 4 آلاف بئر، يحتاج البئر الواحد منها إلى قدرة تتراوح بين 100 و150 كيلوواط، وكشف عن وجود فجوة تمويلية، إذ لا يغطي التمويل المتاح حاليًا سوى نحو ثلث الاحتياجات المباشرة، ما يستدعي تكاملًا أكبر بين القطاعين العام والخاص.
وجاءت الجلسة النقاشية الثانية بعنوان «فرص التمويل الأخضر وتحدياته في القطاع المصرفي»، برئاسة الدكتور محمد الخياط، الرئيس السابق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، عضو مجلس أمناء المنتدى المصري للتنمية المستدامة، ومشاركة عدد من ممثلي القطاع المصرفي وصناديق التمويل، من ضمنهم كامل شحاتة، ممثل البنك التجاري الدولي، وتامر بدر علي، ممثل البنك الأهلي المصري، ومحمد شوقي، رئيس المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالبنك الزراعي المصري، ونورا عبداللطيف، مدير إدارة الائتمان المركزي بجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.
ناقشت الجلسة فرص وتحديات تمويل مشروعات الطاقة المتجددة، ودور البنوك والمؤسسات التمويلية في توفير الأدوات المالية اللازمة لدعم المشروعات الخضراء، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب بحث آليات جذب الاستثمارات وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
أما الجلسة الثالثة للمنتدى الاستثماري لمبادرة «تيراميد»، فقد جاءت بعنوان «من التحديات إلى الفرص.. خارطة طريق للتمويل الطاقي الأخضر»، برئاسة المهندس أيمن هيبة، رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، عضو مجلس أمناء المنتدى المصري للتنمية المستدامة، وبمشاركة الدكتورة هند فروح، مدير معهد العمارة والإسكان بالمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، ورئيس الوحدة المركزية للمدن المستدامة والتغيرات المناخية بوزارة الإسكان، والدكتور ماجد كرم، الرئيس التنفيذي للمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، والنائب السابق بمجلس الشيوخ نهى زكي، والمهندس أحمد كمال، المدير التنفيذي لمكتب الالتزام البيئي باتحاد الصناعات المصرية.
تطرقت المناقشات إلى دور الابتكار والتكنولوجيا في تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، وأهمية ربط الحلول التكنولوجية باحتياجات السوق، بما يفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار في الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة. واختتمت الفعاليات بمناقشة سبل الانتقال من التحديات إلى الفرص الاستثمارية، وصياغة خارطة طريق لتدفق التمويلات، وتذليل العقبات أمام القطاع الخاص.
يعكس المنتدى توجهًا متزايدًا نحو بناء شراكة أوسع بين الحكومة والقطاع الخاص والقطاع المصرفي والمجتمع المدني، بحيث لا يقتصر التحول إلى الطاقة المتجددة على زيادة القدرات الإنتاجية، وإنما يمتد إلى توفير التمويل، وتوطين التكنولوجيا، وبناء قاعدة صناعية محلية، وتهيئة بيئة استثمارية قادرة على تحويل أهداف الطاقة النظيفة إلى مشروعات وفرص اقتصادية مستدامة.







