سيول التجمع الخامس.. لماذا الآن؟

بقلم: فوزي عبدالحليم*

تساءل البعض: لماذا ظهرت مشكلة تجمع المياه الغزيرة أو السيول في منطقة التجمع الخامس بهذا الشكل الحاد أكثر من غيرها من مناطق القاهرة؟

الإجابة: لأنها منطقة سيول، فطبيعة الأرض في هذه المنطقة وما حولها يجعلها تستقبل نواتج الأمطار من مناطق أخرى، سواء بالاتصال المباشر أو بتسرب المياه عبر الرمال والشقوق الصخرية من مناطق محيطة بها وأكثر ارتفاعاً.

والبحيرات التي شاهدناها في التجمع الخامس، وغمرت الأدوار الأرضية والميادين والشوارع، ليست كلها بسبب سقوط الأمطار فوق منطقة التجمع نفسها، ولعل بعضنا شاهد انهيار سور محمية الغابة المتحجرة، واندفاع المياه نحو المنطقة، مما يعني أنها كانت محتجزة وضغطت بقوة فاندفعت المياه إلى سطح أدنى محملة بالرمال وغيرها.

إذن منطقة التجمع الخامس أقيمت فوق مجرى للسيول يشق الصحراء في طريقه إلى البحر، ومن رحمة الله أن السيول لم تكن بالغزارة والعنف البالغين، وهذه المنطقة هي امتداد طبيعي لوادي دجلة وشرق المعادي، وهي أيضاً مناطق للسيول.

ونحن لا نكف عن البناء في مناطق مرور السيل، منها مثلاً مدينة 15 مايو وأحياء طرة والمعادي، وأجزاء من العاشر من رمضان وحلوان، بل إن مدينة شرم الشيخ أيضاً أقيمت فوق مجرى للسيول، مما أدى إلى غرق الفنادق والقرى السياحية قبل عدة سنوات، إلى أن تنبهت الحكومة وقامت ببناء مخرات للسيول، بتمويل من المستثمرين في المدينة، لتأخذ المياه الغاضبة على كل من يعترض طريقها، بعيداً عن المنتجعات السياحية.

وليس ببعيد عن الأذهان، السيول التي اجتاحت قرية “زاوية عبدالقادر” في البحيرة، وبعض قرى غرب الدلتا، والطرق التي تدمرها السيول كل حين، في سيناء والساحل الشرقي المحاذي للبحر الأحمر.

ويستطيع أي راكب لطائرة أن يشاهد بعينيه الأخاديد والممرات والبحيرات الجافة، التي كونتها الأمطار عبر آلاف السنين، في خطوط متوازية منحدرة من وادي النيل إلى ساحل البحر الأحمر، تنتشر في الرمال كالشرايين في الجلد.

قد تختلف حدتها من مكان إلى آخر، وقد تغيب طويلاً لعشرات أو مئات السنين، حتى نظن أنها لن تأتي، ولكنها تفاجئنا بعد أن تناسينا احتمال مجيئها، على الرغم من وجود الخرائط التي توضح تفاصيل وديانها ونقاط عبورها، وإحدى هذه النقاط كانت منطقة التجمع، التي تشكل مع وادي دجلة والمناطق المحيطة، مساحة لتجمع وعبور الأمطار، فتساءلنا مع أننا نعرف الإجابة: ولماذا التجمع؟!

وسيتكرر هذا الأمر، ربما في العام القادم أو بعد عشرات السنين، وستأتي السيول باحثة عن طريقها الذي حفرته، والحل لا يكمن في انشاء بالوعات تؤدي بها إلى الصرف الصحي، فهذه الشبكة لن تستوعبها، بل بإقامة قنوات ومخرات تحت الأرض، لتأخذها بسلام حيث الصحراء، في رحلتها الاعتيادية.

* الكاتب الصحفي فوزي عبدالحليم مدير تحرير صحيفة الأهرام وخبير الإعلام البيئي والتنمية المستدامة في مصر والمنطقة العربية