خلال مشاركتها في ورشة إقليمية حول تحلية مياه الصرف الزراعي “رائد” تدعو لوضع معايير بيئية واضحة وملزمة للتعامل الآمن مع “الرجيع الملحي”
شاركت الشبكة العربية للبيئة والتنمية «رائد» في فعاليات ورشة العمل الإقليمية التي عُقدت تحت عنوان «نحو خارطة طريق لتحلية مياه الصرف الزراعي في مصر»، والتي عقدت في القاهرة، على مدار اليومين الأول والثاني من أبريل 2026، بتنظيم مشترك بين المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة «إيكاردا»، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، والمركز القومي لبحوث المياه.
جاءت مشاركة «رائد» في هذه الورشة الإقليمية، في إطار اهتمامها المتزايد بقضايا الأمن المائي، والتكيف مع التغيرات المناخية، خاصة في ظل التحديات المتصاعدة المرتبطة بندرة الموارد المائية، وارتفاع الطلب على المياه في القطاع الزراعي، الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد المصري.
تضمنت الجلسة الافتتاحية كلمة رئيسية بعنوان «المياه غير التقليدية في مستقبل الزراعة في مصر»، سلطت الضوء على الدور المتزايد لمصادر المياه غير التقليدية، ومنها تحلية مياه الصرف الزراعي، باعتبارها أحد الحلول الاستراتيجية لتعزيز استدامة الإنتاج الزراعي، في ظل الضغوط المناخية والبيئية، وأكد المشاركون أن التوسع في استخدام هذه الموارد يمثل ضرورة حتمية لمواجهة فجوة المياه، خاصة مع محدودية الموارد التقليدية، ما يتطلب تبني سياسات متكاملة تجمع بين التكنولوجيا والاستثمار والإدارة الرشيدة.
تناولت الجلسة الأولى السياق الوطني والاحتياجات القطاعية المرتبطة بإدارة الموارد المائية، بما في ذلك الاستراتيجية الوطنية للمياه، واحتياجات التوسع الزراعي، وكفاءة الطاقة، واستدامة تقنيات التحلية، إضافة إلى الآثار البيئية المرتبطة بعمليات التحلية، كما ناقشت الجلسة استراتيجيات استخدام المياه المحلاة لأغراض الشرب، إلى جانب التخطيط الاستراتيجي واعتبارات الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
وقدم ممثلو «رائد» مداخلة مهمة ركزت على الاشتراطات البيئية للتعامل مع «الرجيع الملحي» الناتج عن عمليات التحلية، محذرين من تداعيات التخلص غير الآمن منه على التربة والمياه الجوفية والنظم البيئية، وشددت الشبكة على ضرورة وضع إرشادات بيئية واضحة وملزمة لضمان الإدارة المستدامة لهذه المخلفات، بما يحافظ على التوازن البيئي ويحد من الآثار السلبية طويلة المدى.
وفي هذا السياق، أوضح الخبراء أن الإدارة السليمة للرجيع الملحي تمثل عنصراً أساسياً في نجاح منظومات التحلية، حيث تتطلب إجراء تقييمات دقيقة للأثر البيئي قبل التنفيذ، والالتزام بمعايير صارمة في التصريف، مع تجنب المناطق الحساسة بيئياً، سواء الزراعية أو المرتبطة بالمياه الجوفية، كما تم طرح عدد من الحلول، من بينها التخفيف المتحكم فيه، وإعادة الاستخدام في بعض التطبيقات الصناعية، إلى جانب دراسة أنماط انتشار الرجيع في البيئات البحرية لتفادي الإضرار بالنظم البيئية.
واستعرضت الجلسة الثانية أبرز التجارب الدولية في مجال تحلية المياه الزراعية، مع التركيز على نتائج دراسات منظمة «الفاو» في المنطقة العربية، والتي أكدت على أهمية دمج تقنيات التحلية ضمن نظم إدارة متكاملة تشمل تحسين كفاءة استخدام المياه وإدارة ملوحة التربة، كما تم تسليط الضوء على تطبيقات التحلية في البيئات المغلقة، مثل الصوب الزراعية، باعتبارها نموذجاً واعداً لتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المائية.
وفي محور الابتكار، ناقشت الجلسة الثالثة التطورات التكنولوجية في مجال تحلية المياه، بما في ذلك تحليل خصائص مياه الصرف الزراعي في مصر، والتحديات المرتبطة بجودتها وتغيرها، إلى جانب استعراض حلول الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتشغيل أنظمة التحلية، وأكد المشاركون أن دمج الطاقة المتجددة في تشغيل هذه الأنظمة يمثل خطوة محورية نحو تقليل التكلفة والانبعاثات الكربونية، وتعزيز استدامة المشروعات.
وشهدت الجلسات التفاعلية تقسيم المشاركين إلى مجموعات عمل متخصصة، شملت مجموعة البيئة، ومجموعة الاستثمار، ومجموعة صناع القرار، بهدف تحليل التحديات والفرص من زوايا متعددة، والخروج برؤية متكاملة لتوسيع نطاق تطبيق تحلية مياه الصرف الزراعي، وقدمت هذه المجموعات مخرجاتها التي ركزت على أهمية التكامل بين الأبعاد البيئية والاقتصادية والمؤسسية، باعتبارها شرطاً أساسياً لنجاح أي تدخل مستقبلي في هذا المجال.
كما ناقشت الورشة سبل تحويل نتائج الأبحاث العلمية إلى مشروعات تجريبية قابلة للتنفيذ، مع التأكيد على ضرورة تطوير نماذج اقتصادية مناسبة للمزارعين، ومعالجة التحديات التشغيلية، وتوفير أطر مؤسسية داعمة، وشدد المشاركون على أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالاً فعلياً من الدراسات النظرية إلى التنفيذ الميداني، عبر إطلاق مشروعات تجريبية تتيح تقييم الجدوى وتحديد أفضل الممارسات.
وفي الجلسة الختامية، تم التأكيد على ضرورة إعداد خارطة طريق وطنية متكاملة لتحلية مياه الصرف الزراعي، ترتكز على التنسيق بين الجهات المعنية، وتعزيز الشراكات الدولية، وضمان استدامة الحلول، وتضمنت التوصيات الرئيسية تعزيز التكامل المؤسسي بين مختلف الأطراف، وإنشاء منصة وطنية لإدارة البيانات، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم اتخاذ القرار، إلى جانب دمج محور المياه–الغذاء–الطاقة في التخطيط الاستراتيجي، كما دعت التوصيات إلى التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، وتحديث الأطر التشريعية، وتوفير التمويل المتكامل، وتنفيذ برامج لبناء القدرات، مع الإسراع في إطلاق مشروعات تجريبية تمهد للتطبيق على نطاق واسع.
وتؤكد مشاركة «رائد» في هذه الورشة أهمية دور منظمات المجتمع المدني في دعم الحوار السياساتي وتقديم الرؤى البيئية، بما يسهم في صياغة حلول متوازنة تجمع بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية، كما تعكس هذه المشاركة التزام الشبكة بدعم الجهود الوطنية والإقليمية لمواجهة تحديات المياه والتغير المناخي، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر استدامة للقطاع الزراعي في مصر