نهر النيل في حياة المصريين

بقلم
د. جميل جورجي

 قد كان للنيل دوراً محورياً في حياة المصريين فهو الذي صاغ حياتهم ولعب دور كبير ليس فقط لكونه مصدر الحياة ولكن لما كان له من دور كبير فى صياغة الشخصية المصرية التي أودع فيها العديد من الصفات والخ ال كالصبر وطول الأناة والصمود.. يقول » أرنولد تونبى » صاحب تلك ل النظرية النفسية الشهيرة «التحدى والإستجابة » عن دور نهر النيل بفيضانه في حياة المصريين أنه كان بمثابة تحدياً كبيراً قد إستجاب له المصريين على نحو إيجابى فقامت تلك الحضارة العظيمة..

لقد كان نهر النيل العظيم بمثابة تحد واجه المصري القديم بتداعياته فروّضه وأخضعه وسخره لأهدافه بعد أن عرف الزراعة وهو ما أدى إلى قيام تلك الحضارة العظيمة على ضفتيه.. لقد لخص المؤرخ الإغريقى الشهير «هيردوت » الملقب بأبو التاريخ أهمية نهر النيل بالنسبة للمصريين فى مقولته الشهيرة «مصر هبة النيل » أى أن النيل هو من وهب مصر الحياة وبدونه لما قامت تلك الحضارة العظيمة.. وترجع تسمية نهر النيل إلى الكلمة الفينيقة نهل أو جرى أو مجرى أو نهر وقد أطلق عليه إسم النيل تخليداً لذكرى ملك يدعى أسمه «نيلوس » قد قام بحفرالترع والقنوات.. ويؤكد محمد شفيق غربال في كتابه «مصر هي بيت أبى » أن النيل هو هبة المصريين لأنهم هم الذين روضوه وهذبوا فيضانه وقاموا بإنشاء أول مجتمع زراعى على ضفتيه وشقوا الترع والقنوات والمصارف واخترعوا الشادوف والساقية والنورج.. إن النيل هو من وحد المصريين فى مواجهة خطر الفيضان والعمل على الاستفادة منه من خلال الحد من اندفاعه الذي كان يهدد الزرع والضرع وحياة الإنسان والطير لذلك عرف المصريون فضيلة التعاون.. لقد قدس المصريون القدماء النهر ولقبوه باسم «الإله حابى » أى مانح الخصب والنماء فهو مصدر حياتهم ووجودهم بل هو الذي شكل حياتهم ومنحهم نظامهم أي تلك المركزية التى عرفت بها مصر والتي تعنى تركيز السلطات في يد الفرعون لتنظيم مياه النهر.. لقد وصل تقديس النهر إلى ذلك الحد الذي جعله المصريين أحد أركان الدينونة في الحياة الأخرى إذ بعدما يبعث الشخص سوف يقسم بأنه لم يلوث مياه النيل وهو مايعرف «بقسم النيل » ومن يخالف ذلك يصب عليه غضب الآلهة.. وعن تأثر حياة المصريين بنهر النيل يقول “الدكتور سليم حسن » في كتابه الموسوعي «مصر القديمة « أن الفلاح والصانع كانا يستعينان على عملهما المضنى بالغناء الذي يعد جزءاً من العمل الذي يقوم به.. أن مصر من أقدم الدول في التاريخ وهى الدولة الوحيدة التي ذكرت في التوراة في مواضع عديدة وقد وصل عدد المرات التى ذكرت فيها حوال 700 مرة و في الإنجيل حوالى 25 مرة وقد ذكر نهر النيل حوالى عشر مرات.. لقد تنبأ «جمال حمدان » بما يحدث اليوم فكتب يقول « لقد ظهر لمصر منافسون ومدعون هيدرولوجياً كانت مصر سيدة النيل بل المالك الوحيد له أما الأن فقد إنتهى ذلك إلى الأبد وأصبحت شريكة محسودة ومحاسبة ورصيدها المائى محدود وغير قابل للزيادة إن لم يكن للنقصان.. وعلى الرغم من ذلك هناك القانون الدولى وقواعده التي تقنن وتنظم كيفية التعامل بصدد الأنهار ذات الأحواض المشتركة لأن الأمر يتجاوز مجرد مسألة الأمن القومى بل هو مسألة وجودية أى حياة أو موت.. وعلى الرغم من ذلك فهناك العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التى تثبت حقوق مصر المائية والتى يصل عددها إلى مايزيد عن 12 اتفاقية مع دول المنبع نذكر منها تلك المعاهدة التى إبرمت بين بريطانيا وأثيوبيا في عام 1903 والتي يتعهد بموجبها إمبراطور أثيوبيا بعدم إقامة أو السماح بإقامة أية أشغال على النيل الأزرق وبحيرة تانا ونهر السوباط يمكن أن توقف تدفق مياه النيل.. هناك الاتفاقيات والخطابات المتداولة بين مصر وإثيوبيا قبل توقيع اتفاقية 1959 والتي تؤكد على الضبط الكامل لمياه النيل التى تصل لكل من مصر والسودان.. هناك أيضاً الإتفاق العام للتعاون بين مصر وأثيوبيا في عام 1993 الذى يؤكد على امتناع الطرفين عن القيام بأية نشاط يتعلق بمياه النيل من شأنه أن يضر بمصالح الطرف الأخر على نحو ملموس بالإضافة إلى الاتفاق على ضروة حماية مياه النيل.