بقلم

د. جميل جورجي

من المؤكد أن التوجهات والسياسات الدولية تؤثر على شكل النظام الدولى وطبيعة العلاقات مابين الدول داخل ذلك النظام إيجاباً وسلباً وإن كان الاخير هو الأبرز والأكثر شيوعاً … ولكن هذه السياسات والتوجهات التى تتحكم فيها القوى الدولية الكبرى وتحددها وتصيغها تتماس مع جميع القضايا والمجريات التى تحدث داخل النظام الدولى الذى يعد نسقاً للعلاقات بين الدول

وتعد القضايا البيئية ذات القالب العالمى هى الأكثر تاثراً بهذه السياسات بين الدول الكبرى الفاعلة فى النظام الدولى والتى من المفترض فيها أن تغلب المصلحة العالمية على مصالحها الخاصة الضيقة وعلى رأسها الولايات المتحدة وموقفها من قضية تغير المناخ التى تعد الخطر الرئيسى الذى يهدد البقاء المادى لذلك الكوكب والتى كان بالأحرى بها أن تكون هى الأكثر إهتماماً بالكوكب والحفاظ على سلامته … ولكن ماحدث كان العكس تماماً وراحت هذه الدول الكبرى التى تعد هى السبب وراء تدهور الأوضاع البيئية على سطح ذلك الكوكب نتيجة تلك التطورات التكنولوجية ولاسيما فى أعقاب الثورة الصناعية مما أدى إلى زيادة غازات الصوبة فى الغلاف الجوى التى يترتب عليها زيادة معدلات الدفء العالمى الذى يعد السبب الرئيسى وراء ظاهرة التغير المناخى والذى تسبب فى حدوث الكوارث الطبيعية المدمرة كالفيضانات والأعاصير والتسونامى… وعلى الرغم من أن هذه الدول الصناعية الكبرى هى التى تسهم على نحو كبير فى تدهور المناخ من حيث نسب عوادم الكربون التى تنفثها فى الغلاف الجوى إلا انها تتنصل من أيه تعهدات مالية لمعالجة أثار هذه الظروف المناخية السيئة التى تترتب على ظاهرة التغير المناخى … وهى مازالت لا تفي بتعهداتها المالية التى التزمت بها من أجل درء الأثار السلبية لهذه الأحوال المناخية السيئة فى الدول النامية التى تعد الأكثر تضرراً بل والأكثر تاثراً وتعرضاً لهذه الظاهرة … الأكثر من هذا وذاك هو أن هذه الدول الصناعية الكبرى لم تلتزم بالإتفاقيات والتعهدات الدولية التى تعقد من أجل مواجهة ظاهرة التغير المناخى ومايترتب عليها من أثار مدمرة تقف أمامها الدول الكبرى نفسها عاجزة وذلك من خلال العمل على تخفيض مستويات غازات الصوبة التى تطلقها فى الغلاف الجوى من أجل وقف تصاعد الدفء العالمى وزيادة درجة حرارة الارض عن المعدلات الطبيعية… وعلى الرغم من تلك العواقب الوخيمة التى تصيب هذه الدول التى تضربها الأعاصير والزلازل والسيول وحرائق الغابات والتى تعد ذات تكلفة اقتصادية عالية إلا أن مواقفها المتناقضة وتنكرها لهذه الظاهرة هى التى تقف وراء ذلك التهديد للبقاء المادى للعالم… وعلى الرغم من تلك الإحصائيات التى تدور حول تلك المخاطر التى تترتب على هذه الظاهرة والخسائر الإقتصادية الباهظة التى تسفر عنها وكذلك إرتفاع أعداد الضحايا نتيجة هذه الظروف المناخية السيئة الذى يفوق أعداد الحروب التى تستخدم أكثر الأسلحة فتكاً فمازالت السياسات الدولية والمصالح الاقتصادية الضيقة الآنية على المستوى القطرى هى التى تغلب وتتحكم وتقود خطى العالم نحو الفناء … لقد أعلن ترامب عن إنسحابه من إتفاقية باريس للمناخ بدعوى أنها إتفاق مهمين على حد تعبيره للولايات المتحدة الامريكية ومحجف بحقوق العمال الامريكين وهو يضيع ثروات طائلة على الولايات المتحدة ويتسم بأنه غير عادل وقد استطرد فى سرد مبرراته للإنسحاب قائلاٌ أنه لن يسمح لدول وقادة العالم من أن يسخروا من الولايات المتحدة … كما أعلن عن تنصله من التعهدات المالية للولايات المتحدة لصندوق المناخ لإنها تعد من وجهة نظره بمثابة إهدار ثروات طائلة على الشعب الأمريكى… تلك هى حالة التناقض مابين السياسات الدولية والمصالح الاقتصادية الضيقة التى تمليها وممارسة قواعد اللعبة السياسية على حساب البقاء المادى للعالم.