بقلم

د. محمد محمود السيد

ما بين مد الأمل .. وجزر الإحباط، تتراوح أيامنا وليالينا، يتأرجح زماننا بين بسمة نتمناها أن تدوم، وضيق هو الأقرب دوماً بفعل آخر لا تسعده فرحتنا. وبين الأمل والإحباط خيط رفيع يحكم هذه العلاقة المتضادة بين النقيضين ويتمحور هذا الرابط حول إرادة الفعل، فالإرادة القوية هي حجر الزاوية في أن تكتسي لحظات وعينا وإدراكنا بالسعادة، أو تتراجع فيتحكم جزر إحباطنا في كل تفاصيل أيامنا.

داعبتني هذه المعاني وأنا أستقبل العام الجديد مثلي مثل الملايين بل والمليارات من البشر على إختلاف أجناسهم وألوانهم وثقافتهم.. وأدركت لحظتها أن الفرحة قرار، وأن السعادة إدراك لما وراء اللحظة، وأن البهجة تكمن في إرادة الفعل، وإختيار الأمل منهج حياة، وإقتناصه دوماً من براثن الإحباط المدوي الذي نحياه.
وتبقى التنمية دوماً ملمح رئيسي للتقدم وإمتلاك القدرة على الفعل.. والتنمية إرادة لو لم تتوفر لما تحققت، وإذا غابت غرقنا في إحباطنا وتراجعنا ومن ثم تخلفنا.. ومسببات الإستسلام لجزر الإحباط كثيرة، ليس أقلها الإرهاب المستمر الذي يعادي أبجديات الحياة الآمنة النبيلة. لكن أن تأتي إرادة مصرة على الفعل وتنتشل أمة من براثن الإرهاب والتآمر
لتخلق واقعاً ملؤه الأمل، ومستقبل تكمن الفرحة في طياته فهذا هو منتهى الإرادة الخلاقة التي إختارت الفعل طريق والأمل منهج والفرحة هدف ومبتغى.
رأيت هذا بعيني يوم إفتتح السيسي أنفاق السلام إذا جاز التعبير في سيناء، تلك الأنفاق والمحاور الحياتية التي ستحول صحراء جرادء إلى جزء عامر من أرض الوطن، ذلك النمط التنموي الذي يقضي على مخططات الإستيلاء على جزء غالي من أرض الوطن لطالما دفعنا دماءاً كثيرة لحمايته. نتفق أو نختلف مع سياسات الرجل التنموية، لكن لا يمكننا أن غمض العين، أو نُلَهّي الوعي عن إمتلاكه إرادة تنموية مفعمة بحب الوطن والإيمان بكل تفاصيله. هذه الإرادة هي التي تصنع المستحيل وسط دوي إنفجارات الإرهاب بكل خسته، فمن أنفاق سيناء المحورية، إلى مشاريع الإستزراع السمكي، وقبلها إعلان البدء في تنفيذ محطة الضبعة النووية، والمضي قدماً في المزيد من إكتشافات غاز الخير في بر وبحر مصر. أقولها بصدق أننا أمام مشهد تحول الفعل التنموي إلى إرادة لا تلين لنثبت أن التنمية إرادة قبل أي مقومات أخرى. ولا يختلف الأمر كثيراً على المستوى العالمي إذا خلصت النوايا وتوافرت إرادة الفعل التنموي الحقيقي، وهو ما تجسد بوضوح في إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة للبيئة التي عقدت في نيروبي في ديسمبر الماضي، حينما أعلنها العالم صريحة لا للتلوث في كوكب الأرض، وتم بالفعل إتخاذ قرارات وتعهدات بتحسين حياة المليارات في جميع أنحاء العالم من خلال العمل بجد وإرادة على تنظيف الهواء والأرض والمياه. واعتمدت الجمعية العامة ثلاثة عشر قراراً من بينها تلك التحركات الرامية إلى معالجة النفايات البحرية والجسيمات البلاستيكية ومنع تلوث الهواء والحد منه، ومنع التسمم بمادة الرصاص المستخدمة في مواد الدهانات والبطاريات. وقد إلتزم كل بلد موقع بتخفيض تلوث الهواء إلى مستويات آمنة بحلول عام 2030 . إن الزخم العالمي جاء نتيجة بذل جهود مضنية منذ فترة طويلة، كما يورد تقرير الأمم المتحدة للبيئة، تقرير المدير التنفيذي: نحو كوكب خالي من التلوث. وعموماً، يتسبب التدهور البيئي في وفاة ما يقرب من واحد من بين كل أربعة وفيات في العالم، أو وفاة 12.6 مليون شخص سنوياً ، كما يدمر النظم الإيكولوجية الرئيسية بصورة واسعة. ويعد تلوث الهواء أكبر قاتل بيئي، حيث يودي بحياة 6.5 مليون شخص كل عام. ويؤدي التعرض لمادة الرصاص المستخدمة في مواد الدهانات إلى تلف في الدماغ لنحو 600.000 طفل سنوياً. وتحتوي بحارنا بالفعل على نحو 500 منطقة من «المناطق الميتة » مع توافر قليل جداً من الأكسجين لدعم الحياة البحرية . ويتم إطلاق أكثر من 80 في المائة من مياه الصرف الصحي في العالم في البيئة دون معالجة، وتسميم الحقول التي نزرع فيها غذائنا والبحيرات والأنهار التي توفر مياه الشرب لنحو 300 مليون شخص. وهناك أيضاً تكلفة إقتصادية ضخمة يتم تكبدها بسبب التلوث. فقد ذكر تقرير صدر مؤخراً عن لجنة لانسيت حول التلوث والصحة أن خسائر الرعاية الإجتماعية الناجمة عن التلوث تقدر بأكثر من 4.6 تريليون دولار أمريكي سنوياً، أي مايعادل 6.2 في المائة من الناتج الإقتصادي العالمي. ويقول إبراهيم ثياو، نائب رئيس الأمم المتحدة للبيئة «لقد كان لدينا مهمتين في هذه الجمعية تمثلت المهمة الأولى في (الإتفاق على العمل) الذي سيتم إنجازه، والثانية هي (علينا البدء غداً).

وهذا يعكس حقيقة أن التنمية إرادة وفعل في المقام الأول، وأننا محلياً وعالمياً إمتلكنا إرادة الفعل لمزيد من مد الأمل في شرايين الأمة لتبقى إرادة الحياة أمضى وأكثر إشراقاً لضمان مستقبل كل أجيالنا القادمة.
كل عام وانتم بخير.. عام جديد سعيد مفعم بمد الأمل.