info@raednetwork.org          +20 2 2516 1 519/245

بقلم

د. محمد محمود السيد

العلاقة بين التعداد السكاني ودفع خطى وتوطيد أركان التنمية المستدامة في المجتمع علاقة قوية وراسخة.. فالمعلومات أصبحت هي حجر الزاوية في أي عملية تنموية. ولا شك أن التعداد السكاني الذي أُعلن في مصر مؤخراً وهو أول تعداد إلكتروني يتم إطلاقه في المحروسة إنما يقدم رصداً وتحليلاً وبنية معلوماتية تحتية هامة للغاية للإنطلاق القوي نحو التنمية المستدامة فالتعداد ليس مجرد إعلان لعدد السكان والمباني فقط، لكن كم المعلومات والمؤشرات التي يتضمنها هي بالفعل خارطة طريق لتحقيق التنمية المستدامة.. وهنا وجبت التحية للحكومة المصرية التي أعلنت بشفافية مطلوبة كافة الأرقام في حالة مصارحة ومكاشفة إيجابية مع الشعب كفيلة بتوطيد أركان الثقة بين القطاعات المجتمعية المختلفة وفي مقدمتها العلاقة بين الحكومة والشعب في مجمله .

وإذا كان الرقم الإجمالي لتعداد الشعب المصري وصل إلى حوالي 105 ملايين نسمة وهو ولا شك رقم كبير ، إلا أن هناك العديد من الأرقام الأخرى التي تدق مزيد من نواقيص الحذر، وترسم في الوقت نفسه خريطة التحديات ومن ثم حشد آليات المواجهة لتحقيق التنمية المستدامة الحقيقية التي من المستحيل الوصول إليها دون مواجهة هذه التحديات.
فمثلاً يقول التعداد أن % 40 فقط على مستوى الجمهورية متصل بالشبكة العامة للصرف الصحي بإجمالي 5.5 مليون مبنى مرتبط بهذه الشبكة، وأن % 12.2 بإجمالي 1.6 مليون مبنى متصل بالشبكة العامة للغاز الطبيعي ، وهذه النسب تحتاج إلى جهد كبير لرفعها وتوصيل الخدمة لعدد أكبر من السكان لأنه مؤشر في منتهى الأهمية وخاصة في مجال الصرف الصحي لأنه يرتبط بعديد من المحاور الأخرى كالمحور الإقتصادي والصحي والإجتماعي وفي المجمل مؤشر على تحقيق الحد الأدنى من
الرفاهة المجتمعية .وعن استخدام مياه الشرب يقول التعداد إن نحو % 97 من الأسر يستخدمون مياه الشبكة العامة للشرب، وهو ما يعني أن % 3 من المجتمع لازال محروماً من هذه الخدمة مما يستوجب وضع الخطط لمزيد من الترشيد في الإستخدام والتوسع في مد الشبكات لمد الخدمة لكل محروم منها في ظل حالة من الفقر المائي التي تواجهنا، وهذه هي المفاهيم الأساسية للإستدامة في كيفية إدارة المورد الطبيعي برشادة لإستفادة كل الموطنين حالياً والأجيال القادمة مستقبلاً. ومن الأرقام المزعجة كذلك في التعداد أن عدد الأميين بلغ 25.8 مليون نسمة بين السكان المصريين من سن عشر سنوات فأكثر، وهي طاقة معطلة لحد كبير لاشك أنها ستضيف الكثير للجهد التنموي المستدام في حالة القضاء عليها ، لأن التعليم دون نقاش هو قاطرة التنمية في كل الأحوال.
الأرقام كثيرة ودلالاتها كبيرة، إلا أنها ترسم خريطة المواجهة، وتحدد أدواراً حكومية وشعبية ومجتمعية لتفعيل هذه المواجهة وتحسين هذه الأرقام والقضاء على تلك التحديات بما يصب في النهاية في تحقيق التنمية المستدامة.
والمؤكد أن التعداد بصورته الشفافة تلك يتيح الفرصة لإعلان وتبني نهج تنموي حقيقي، لكن القضية تكمن في كيفية نشر الوعي بالتنمية المستدامة، بل وكيفية إدماجها في كافة الخطط والإستراتيجيات في كافة القطاعات المجتمعية المختلفة. كذلك العملية الإعلامية ذاتها في إجتياج ضروري للتعرف على التنمية المستدامة كنمط تنموي لا غنى عنه، وأيضاً كمنهج حياتي يندرج الإعلام ذاته تحت رايته.. ويتم هذا سواء من حيث المضمون، أو إعداد الكوادر الإعلامية القادرة على رفع لواء التوعية بالتنمية المستدامة، حيث تتحول هنا مواجهة التحديات إلى موجات إتصالية توعوية تشمل شرائح المجتمع جميعها كل في مجاله.. فمن غير الآلة الإعلامية بكل أطيافها حتى الجديد منها كالوسائط الإجتماعية قادر على نشر الوعي بمفهوم وآليات تطبيق التنمية المستدام، وكيف تتأتى رشادة التوعية إن لم يفهم ويعي القائم على عملية الإتصال مضامين وأهداف هذا النمط التنموي. صحيح أن الأمر جلل ويحتاج لجهد كبير، لكن لاسبيل إلى إقتحام المستقبل إلا بمفاهيم التنمية المستدامة. فكيف نخاطب عالماً نعيش في قلبه ولا نتحدث لغته، فالتنمية المستدامة أصبحت هي اللغة العالمية التنموية الوحيدة التي يعتمدها العالم بأهدافها السبعة عشر، وهي الضامن الوحيد لمواجهة كافة التحديات التنموية العالمية.
وحتى يتعرف المجتمع على سبيل المثال بالتحديات التي تواجهه في مجال الفقر المائي والطاقي لابد من أن يدرك الإعلامي والمسئول في آن واحد محورية الإرتباط بين هذه التحديات والتنمية المستدامة.
إن الأحلام أياً ما كانت قابله للتحقيق مهما كانت المعوقات، فقط لابد وأن تشف مشاعرنا كي نفهم بدقة، وأن يغلب المنطق، وأن يتعاظم الإنتماء، وقبل كل ذلك نمتلك إرادة الفعل ونبتعد في ذات اللحظة عن أنانيتنا ونرجسيتنا.
إن التعداد وما قدمه من بنية تحتيه معلوماتيه هامة رسمت معالم طريق المواجهة ، والإدرا ك الإعلامي والمجتمعي للتحديات التي تواجهنا ، هم آليات التمسك بحلمنا في غد أفضل، واقتحام منطقي لآفاق مستقبلية جديدة لكل أجيالنا القادمة.