+20 2 2516 1 519/245                                                     English

بقلم

د. محمد محمود السيد

تبقى مشكلة المياه هي الحاكمة في مصر والعالم العربي لسنوات عديدة قادمة، بحكم كون معظم مصادر المياه العربية تنبع من خارج أراضيها، وبفعل الإحتلال في عديد من دولنا العربية، وبالقطع بحكم الموقع الجغرافي والزيادة السكانية، وأيضاً السلوكيات السلبية غير المرشدة للمياه لكثير من مواطنينا. ومن هنا أتصور أن حل هذه المعضلة المرتبطة عضوياً بإستمرار حياتنا في الأساس لابد وأن تكون شاملة وغير تقليدية ومجابهة لكل مسبباتها، أي أن الحلول لابد وأن تنبع في الأساس من رحم الأزمة، لكي تكون المواجهة ناجعة.

وقد إستوقفني كثيراً سيناريو المواجهة الجاد الذي تشهده مصر حالياً والذي صيغ بمنظور عام تفصيلي يقف عند حدود كافة التفاصيل ويؤصل لها. فإذا كانت حالة الفوضى والسيولة التي أعقبت ثورة 25 يناير أتاحت الفرصة لإثيوبيا فرصة بناء سد النهضة بقدرات تخزينية عالية جداً تهدد حصة مصر المقدرة ب 55,5 مليار م 3 من مياه نهر  النيل، إلا أن مواجهة هذه المحنة الحياتية التي تهدد وجودنا في الأساس جاءت بعيدة تماماً عن الصيغ العنترية التي وإن أفلحت على المدى القصير تاريخياً إلا إنها فشلت تماماً على المدى الطويل ، خاصة في ظل متغيرات عالمية مستمرة ومتصلة لا تعرف الثبات، وخاصة في منطقتنا الشرق أوسطية.
وإعتمدت المواجهة في صيغتها المنطقية الجديدة على مبدأ المنفعة المشتركة بين مصر وإثيوبيا والسودان، وخلق واقع مشترك جديد يعتمد على تبني ودعم المصالح المتماسة التي تصب في مجرى مستقبل الشعوب قبل الإرادات السياسية. فالتنمية التي تأخرت كثيراً حق للشعوب الثلاث، وحق الحياة أيضاً لا يمكن التفريط فيه، وآفاق التعاون متسعة للجميع، فما أسهل من أن تطيل إثيوبيا فترة ملء السد على أن تشارك مصر بفعالية في دعم عمليات التنمية في السودان وإثيوبيا معاً، والمعادلة هنا تقوم على أساس تأمين الحياة لمصر في مقابل دعم التنمية في البلدين الآخرين.
والسؤال هنا هل هذا هو الحل الوحيد؟
وللإجابة على هذا السؤال أتوقف أمام منهج المواجهة المصرية للأزمة، وإبتكار الحلول من رحمها كما قلت، والبدء في تحقيق مواجهة شاملة للمشكلة تأخرت كثيراً، وتبدأ في الإنطلاق من التحول الفكري من منطق الوفرة المائية ، إلى منطق الشُح المائي.. والذ يستلزم بذل أقصى جهد للحفاظ على كل قطرة ماء، وتحقيق الحوكمة أو الإدارة الرشيدة المتكاملة للمياه.
ليس هذا فحسب بل الإنطلاق نحو إيجاد مصادر جديدة للمياه وهو الأمر الذي بدأ بالفعل على أرض الواقع لتحقيق الأمن المائي الحقيقي الذي يعتمد على مصادر متعددة وإدارة رشيدة للمياه، بدلاً من الإعتماد على نهر النيل فقط لاغير. بدأ الإطمئنان يدب في نفسي حينما شاهدت التوسع في مجال تحلية مياه البحر، خاصة مع إنخفاض ملحوظ في تكلفتها، والبدء في توطين تكنولوجيا التحلية في مصر.. أيضاً يتسع المشهد ليشمل إنشاء محطات المعالجة الثلاثية لمياه الصرف الصحي والتي تضيف مصدر جديد للمياه في مصر، خاصة إذا علمنا أن البحيرات الشمالية على البحر المتوسط كانت تتلقى حوالي 13,4 مليار متر مكعب سنوياً من مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي المعالجة وغير المعالجة إضافة إلى 700 مليون متر مكعب من نفس نوعية هذه المياه غير النظيفة تذهب إلى بحيرتي قارون والريان.
ولا شك أن توفير المعالجة الثلاثية لهذه الكمية الهائلة من المياه يتيح إمكانية توفيرها للزراعة والصناعة والنقل. هناك أيضاً قرار وزير الري المصري الأخير بتخفيض المساحة المنزرعة بالأرز من 1,5 مليون فدان سنوياً إلى 720 ألف فدان في السنة، أي توفير 50 % من المياه التي كانت تواجه لهذا المحصول كثيف إستخدام المياه، وهذا يعني البدء في إعادة رسم السياسات الزراعية في مصر، وتقليص مساحات المحاصيل كثيفة إستخدام المياه مع تطوير البذور والشتلات التي تنتج محاصيل أكبر.
كل هذا إلى جانب تكثيف حملات التوعية للمواطنين لترشيد إستخدام المياه والذي يعد مصدر جديد للمياه قادرين على تحقيقه بمجرد الوعي بالأبعاد الحقيقية لمشكلة المياه في مصر.

هكذا بدأت المواجهة .. وهكذا تستمر .. وهكذا تنجح بإذن الله.

ولا أشك للحظة أن هذه المواجهة الشاملة لمشكلة المياه في مصر بمافيها سد النهضة، لا أشك في أنها ستحقق الأمن المائي الحقيقي لأم الدنيا والذي سيستتبعه أمن غذائي حقيقي. فبالترشيد، وتحقيق المنفعة المشتركة مع إثيوبيا والسودان، وإعادة رسم السياسات الزراعية، والتحلية، والمعالجة الثلاثية لمياه الصرف.. بكل هذا ستنجح المواجهة ولا يتبقى إلا بذل الجهد والعرق للوصول إلى بر الأمان.

سلمت الرؤية الصائبة في المواجهة الشاملة لواحدة من أخطر المشكلات التي واجهتنا في العصر الحديث..وأهلاً دوماً بالتكاتف من أجل الحياة